الْحَاكِمِينَ} هود: 45 يريد أن ينجو ابنه لأن الله تعالى وعده بأن ينجي أهله وبالطبع فإن ابنه من أهله ألا يكون الابن تابعاً لأبيه؟ ولكن الرد الإلهي جاء قطعياً بأن لا علاقة بينك وبينه ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هود: 46 - 47، بهذا الوضوح وبتلك الصراحة وبذلك القطع انفصل الولد عن أبيه وأصبح الابن ليس من أهل بيته وذلك لاختلاف العقيدة بينهما ولأن الابن عصى وتكبر على أوامر الله ... ولذلك استغفر نوح - عليه السلام - وتخلى عن نجاة ابنه لإرضاء ربه بكل تلك القوة في الفصل حتى تنقطع كل الروابط الأرضية التي قد تربط الرجل بشيء غير العقيدة والتوحيد ... هذه راية التوحيد التي لا تقبل المساومة ولا تقبل المهادنة مع الباطل ولا تقبل أنصاف الحلول التي يتنازل فيها المسلم عن نصف دينه أو أكثر وليس ذلك مع الأبناء فقط بل مع الزوجات كما قال تعالى عن زوجتي نوح ولوط عليهما السلام: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ التحريم: 10، تخيل أخي في الله؛ إن نوحاً - عليه السلام - تبرّأ من ابنه الكافر ثم تبرّأَ من زوجته التي لم تؤمن به وبرسالته ومع كل ذلك ظل متمسكاً بدينه وبدعوته وبرايته وبرسالته التي استمرت مئات السنين ومع كل تلك السنوات لم يؤمن معه إلا القليل القليل ولكنه بقي على طريقه ودعوته ولم يتراجع عن منهجه قيد أنملة ... وهذا إبراهيم - عليه السلام - الذي دعا أباه وتودد إليه ليكسب إسلامه وإيمانه بالله فقال له: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ مريم: 41 - 43، وهكذا أخذ إبراهيم - عليه السلام - يدعو أباه بالتي هي أحسن ولكن المفاجأة ليست هنا لأن اللين في الدعوة من أهم صفات الدعاة وإذا كان اللين مطلوباً في دعوة فرعون عندما أمر الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ طه: 44، فإذا كان فرعون طاغية الطغاة تتم دعوته إلى الله باللين والرفق فكيف بدعوة الابن لأبيه ومع كل ذلك الرفق على أبيه والحرص الشديد على كسبه واستمالة قلبه للإيمان ولكنه تكبر وتجبر وهدد وتوعّد وقال لإبراهيم - عليه السلام -: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ مريم: 46، هذا تهديد عنيف وقوي لا يصدر إلا من عدو يريد الفتك بعدوه ولكن الحوار الدائر هو بين أب وابنه وبالتالي الأصل أن لا يكون بهذه الطريقة ولكن المسألة هنا ليست سهلة إنّها العقيدة و إنّه سلطان التوحيد الذي يتقدم على كل الروابط الأرضية مهما كانت قوية ولا أتوقع أن هناك رابطة أرضية أقوى من رابطة الأبوّة والبنوّة ومع ذلك مع قوتها فإنّها ليست أقوى من رابطة التوحيد لذلك كان ردّ إبراهيم - عليه السلام - على تهديدات والده بقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ مريم: 48، ترك أباه وأهله وذهب إلى ربه ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ الصافات: 99، ترك الدنيا بأسرها وذهب إلى خالقه وبارئه ورازقه وحاميه ووالله لن يخذل أبدا لأنّه ذهب لصاحب القوة والمُلْكِ والجبروت .. هم أشعلوا له النيران بعدما كسر الأصنام ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: 68، أرادوا تمزيقه لذلك جمعوا الحطب من كل مكان وصلته أيديهم من أجل إحراق التوحيد الذي يحمله في صدره والراية التي يحملها فوق رأسه ولكن هيهات هيهات جاء الرد على إجرامهم من السماء من الذي لا يغفل {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا
فقه التجنيد في جيش التوحيد · الصفحة ١٥١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فقه التجنيد في جيش التوحيدص ١٥١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي