في أيامنا هذه التي تغيرت وتبدلت فيها أحوالنا فأصبحت روائع السلف بالنسبة لنا قريبة من الخيال لبعدنا عن ديننا .. والحقيقة الماثلة أمامنا أن ذلك وقع بالفعل وإن الصحابة مارسوا الأخوَّة بشكلها الصحيح وقد يكون تطبيقهم للأخوة أشد من الأخوة نفسها لأننا نسمع أن الأخ يساعد أخيه ولكننا لم نسمع عن أخ عرض على أخيه ما عرضه الصحابة على بعضهم البعض حتى أن بعض الإخوة لا يشعرون أحيانا أنّهم إخوة بسبب ضعف العلاقة بينهم وعدم وجود معاني الأُخوة في حياتهم لذلك صارت الأُخوة عند كثير من الناس هي أخوة الأوراق الرسمية والعلاقات الرسمية فكم من أخ قصّر في حق إخوته وكم من أخ غدر إخوته وكم من أخ عامل إخوته أشد مما يعاملهم الأغراب فإذا عامل الأخ إخوته من أمه وأبيه هكذا فكيف سيتعامل مع غيرهم؟ أما الصحابة فقد قلبوا كل الموازين حتى وصل الأمر بينهم إلى أن يتقاسموا أموالهم مناصفة ولو وقف الأمر عند المال لقلنا هذا كرم زائد ولكن الأمر تعّدى المال لكي يصل إلى الأغلى ألا وهو العرض والأهل والزوجات فهل يعقل أن يعرض أحد على أحد مهما كانت العلاقة بينهما إحدى زوجاته يختار أكثرهن جمالاً لكي تكون له زوجة ... اعتقد أن هذه المسألة لن تكون سهلة على كل النفوس ونحن نعلم كيف كان يتعامل العرب قبل الإسلام مع النساء فقد كان الواحد منهم يقتل بناته خوفاً من الفقر أو العار فالعرب أصلا عندهم حساسية كبيرة في مثل هذه المواضيع ولكن الصحابة الذين ربتهم العقيدة وغيرّهم الإيمان كانت لديهم القدرة على القيام بأشياء عظيمة لا يقوم بها أحد من البشر ولكنهم أرادوا تجسيد كل معاني الأخوة، حتى وصل الأمر بين المهاجرين والأنصار إلى درجة التوارث إلى أن أنزلت آيات الميراث ... ولننظر بالمقابل إلى عِفّة الصحابة عندما رفض ذلك الصحابي أن يأخذ نصف مال أخيه أو أن يأخذ إحدى زوجاته ولكنه سأله عن السوق لأن الإسلام يربي أبناءه على العمل وعدم التسوّل والبعد عن الكسل والاعتماد على الغير وكلها حقيقةً أمثلة رائعة في الأخوة لكي تبقى الراية التي تجمع الموحدين هي أمهم التي تضمهم تحت سقف وبيت واحد وتحت مظلة واحدة ... وحتى لا يأتي أحد الناس اليوم ويقول لنا هذه المؤاخاة كانت بين المهاجرين والأنصار من أجل نصرة الدين واليوم لا يوجد مهاجرين ولا أنصار بالمعنى الذي كان في عهد الصحابة فلماذا لا تكون بيننا أخوة كما كانت بينهم؟ للإجابة على هذا السؤال ولقطع الطريق على كل عابث فقد عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - على وضع ميثاق للتحالف وللمؤاخاة بين المسلمين بعضهم مع بعض ولتحديد العلاقات بين المسلمين وبين غيرهم من أهل المدينة وقد جاء في بعض بنود ذلك الميثاق ما يلي: هذا كتاب من محمد - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ... ومن تلك البنود: أنّهم أمة واحدة من دون الناس وبأن المؤمنين لا يتركون فقيراً مثقلاً في الديون إلا أعطوه من أموالهم وأعانوه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو أخذ شيئاً ظلماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين وأن أيدي المؤمنين عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافراً على مؤمن وأن المؤمنين يمنع بعضهم على بعض ويحمي بعضهم بعضاً بما نال دماءهم في سبيل الله وأنّه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدِثاُ (الذي يرتكب جرماً أو إثما ويهرب) ولا يؤويه وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه عدل وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردّه إلى الله عز وجل والى محمد - صلى الله عليه وسلم - ... وغيرها من البنود التي اعتبرت بمثابة الميثاق الذي يحدد العلاقات والولايات بين المسلمين أنفسهم وبين المؤمنين وغيرهم وجوهر هذه البنود يؤكد على مبدأ الولاء لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين قبل كل شيء وأن المناصرة لا تقوم إلا على أساس من العدل وعدم الظلم و أنّه من ظلم فإنّه لا ينصر بإعانته على
فقه التجنيد في جيش التوحيد · الصفحة ١٤٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فقه التجنيد في جيش التوحيدص ١٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي