تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في وجه أبيه أو قبيلته أو الدنيا بأسرها مقابل التمسك بدينه وولائه لرايته تلك الراية التي تَرَبَّى أصحابها على الولاء المطلق لله تعالى لا ولاء إلا ولاء العقيدة وهذا لا يعني أن يقطع المرء علاقته مع أقاربه وذويه وإنما يعاملهم انطلاقاً من عقيدته فإذا وقف أحد أقاربه في وجه عقيدته صار هذا القريب عدواً مع أنّه في الأصل قريب ولكن رابطة القرابة تختفي أمام رابطة التوحيد ولو قلت لك يا أخي أكثر من ذلك فإذا كان أحد إخوتك ابن أمك وأبيك يقف والعياذ بالله مع أعداء الإسلام أو يحارب العقيدة أو يمنع تقدمها وانتشارها فإن علاقتك الأخوية به تنقطع من هذه اللحظة التي وقف فيها في صفٍّ غير صفِّ المسلمين ولا تتفاجئ إن قلت لك أن لك إخوة لم تعرفهم ولم تلتق بهم ولا تعرف أسماءهم وهم منتشرون في كل هذه الدنيا في كل مكان في هذه الأرض تقريباً تجد أحدهم أو جماعة منهم تجمعك بهم آية في القرآن ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الحجرات: 10، إنّهم إخوانك الموحدون المنتشرون في هذا العالم يردّدون كما تردد لا إله إلا الله ويحملون الراية التي تحمل ويقاتلون العدو الذي تقاتل ويعادون من تعادي ويوالون من توالي وإن أصابك سوء أو مكروه حزنوا لمصابك وإن أصابك خير أو نعمة فرحوا لذلك وهم لا يعرفون اسمك ولم يلتقوا بك يوماً ومع ذلك فهم إخوتك ... إنّهم الموحدون الذين يحبونك ويوالونك ويناصرونك ويقفون معك في الشدائد ... وإذا تفكرت في الآية السابقة ستجد أنّها تفيد الحصر والقصر في قوله تعالى " إنما " فإنما تفيد الحصر والتوكيد أي أن الأخُوَّة الحقيقية محصورة بأخوَّةِ الإيمان ومقيدة برابطة العقيدة ... وهذه الأخوة الإيمانية يترتب عليها تبعات من المناصرة إلى الولاء إلى القتال إلى الحب إلى النفقة إلى كل ما تعنيه كلمة أخوَّة وإن السلف الصالح - رضي الله عنهم - قد جسدوا كل معاني الأخوة الإيمانية كما حدث بين المهاجرين والأنصار من المؤاخاة يقول ابن القيم رحمه الله: ثم آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلاً نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار آخى بينهم على المواساة ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر فلما أنزل الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الأنفال: 75، ردّ التوارث إلى الرحم دون عقد الأُخُوَّة ... في ظل هذا الإخاء ذابت عصبيات الجاهلية لكي تحلَّ مكانها رابطة التوحيد، كل شيء تغير بعد قدوم الإسلام حتى الروابط التي تربط الناس بعضهم ببعض تغيرت معادلتها فأصبحت المعادلة ليست على أساس قبلي أو طائفي أو قومي وإنما أصبحت على أساس الإيمان أو عدمه مع أن العرب من أشد الناس ولاء للقبيلة وحباً لزعيم القبيلة وبالنسبة لهم كل شيء يهون عن المساس بهيبة القبيلة لذلك كانت كل قبيلة تجمع أبناءها سواء أكانت القبيلة على الحق أم على الباطل وفعلاًً تجدهم مجتمعين في كل المواقع ولديهم استعداد للقتال والموت من أجل القبيلة وهذا أمر معروف لكل من كانت لديه أدنى معلومات عن الحياة القبلية أو العربية قبل الإسلام ولكن كل ذلك انتهى بمجرد أن استقرت العقيدة في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم فقد روى البخاري أنّه لما قدم المدينة آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم مالي نصفين ولي امرأتين فانظر أعجبهما إليك فسمِّها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها قال: بارك الله لك في أهلك ومالك وأين سوقكم؟ فدلّوه على سوق بني قينقاع ... أي أنّه يريد العمل والتجارة والكسب من تعبه وبذله وإن هذه الحادثة لهي من أعظم الدلائل على مدى التطبيق العملي لمبدأ الأخوة الإيمانية ولولا أن الحديث في الصحيح لظن القارئ أن هذا شيئاً من الخيال لكونه صعب الحدوث خاصة

فقه التجنيد في جيش التوحيد · الصفحة ١٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه التجنيد في جيش التوحيدص ١٤٨