تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاز لي أن اضرب مثالاً آخر لا يتعلق بالإنسان إنّما يتعلق بالحيوانات التي تعيش في قطعان قريبة من بعضها البعض من أجل حماية نفسها من أي اعتداء خارجي لأنّها باحتمائها في قطعان تشكل حاجزاً يمكن من خلاله مقاومة أي هجوم من حيوان مفترس ولذلك صارت قصة الثور الأبيض مع إخوانه من الثيران أشهر من نار على علم – أكلت يوم أكل الثور الأبيض – هذا مثال لكل من انقلب على ولائه السابق لأن الثيران الثلاثة كانت تعيش مع بعضها وتشكل لنفسها حماية باجتماعها وعندما تآمر الثور الأحمر و الأسود مع الأسد على أن يأكل الأسد الثور الأبيض ثم تآمر بعد ذلك الأسد و الثور الأحمر على الثور الأسود فأكله الأسد وعندما جاع الأسد بعد ذلك نظر إلى صديقه الذي خان أخويه فقال له لم يبق لي إلا أنت فقال الثور تلك العبارة؛ أي أنّه عندما خان وباع ولاءه لعدوه قد باع نفسه وقتل نفسه فكم من خائن باع ولاءه ثم انقلب ذلك عليه فكان بخيانته قد خسر نفسه ... وإن الإسلام يربي أتباعه على الولاء له أولا وقبل كل شيء وإلا لكانت الأمة مشتتة الولاءات والروابط لكل واحد منهم ولاء خاص به وهذه حقيقة هي مقتلة الأمم ومقتلة الجيوش تخيل أمة أو جيشاً لكل منهما عدة رايات وكل فرقة أو جماعة تتبع لراية وإذا أراد الجيش الهجوم فإن الأوامر تصدر من عدة رايات وإذا أرادت الأمة اتخاذ موقف فإن مواقفها ستكون بعدد راياتها وهذا يجعلها أمة ضعيفة ويجعل الجيش جيشاً مهزوماً قبل أن تقوم المعارك ويقع القتال ... وقد جاء الإسلام لقبائل متناحرة متنافرة يأكل القوي منها الضعيف وقد سيطرت عليها لغة الانتقام والثأر واستمرت الحروب بينها لعشرات السنوات فجاء هذا الدين على واقع مليء بالولاءات فبدأ بزرع الإيمان في النفوس ودعوة الناس لترجمة ذلك الإيمان على أرض الواقع بمناصرة هذا الدين وبالدفاع عنه وعن أتباعه وإن سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مليئة بما يثبت ذلك لأن الدعوة التي انطلقت من مكة كانت أولى العقبات التي وقفت في وجه الدعوة هم أهل مكة أنفسهم حتى إن أكثر الناس عداوة لهذه الدعوة هم من أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا أبو لهب عمُّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان أشدَّ الناس عداءً لهذا الدين وكان يحارب الدعوة بكل قوته هو وزوجته حتى آذى النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر مما آذاه الأغراب و أمر القرآن الكريم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنذار عشيرته فقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء: 214، أي أن الدعوة كانت موجهة في بدايتها للأقارب ثم الأبعد فالأبعد فلم يستثن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا من أقاربه لأن رابطة العقيدة تفوق وتتقدم على كل رابطة مهما عظمت تلك الرابطة فإنّها ستبقى أضعف من رابطة العقيدة وإن المثال السابق الذي ذكرته أثناء نقلي لكلام سيد قطب رحمه الله عن عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ الذي وقف لأبيه على مدخل المدينة لأن أباه تطاول أو هدد النبي - صلى الله عليه وسلم - فعندما سمع ذلك انقطعت كل الروابط بينه وبين أبيه وأصبحت رابطته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أقوى وأمتن مع أنّه كان من أبرّ الناس بوالديه ولكن المسألة هنا تتعلق بالعقيدة حتى أني قرأت في بعض الروايات أنّه عندما سمع بكلام أبيه وتطاوله على مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - أدرك أو سمع من بعض الناس أن أباه قد يقتل بسبب ذلك فذهب مسراً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مشهراُ سيفه ليس لمقاتلة النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ليقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله: إني سمعت أنك تريد قتل أبي فإن كنت فاعلاً فأنا أقتله لك يا رسول الله لأني أخاف إن قتله رجل غيري من المسلمين فأراه في مكان ما فتثور عندي ثائرة الثأر فأقتل المسلم فأكون بذلك قد قتلت مسلماً بكافر ... يقصد بكافر هنا أبوه ... يا للعجب ويا للروعة ويا لسمو العقيدة وارتفاع الإيمان فوق كل شيء يا للعزة ويا للكرامة ويا للولاء الحقيقي لله ولرسوله وللمؤمنين كم لهذه القصة من تأثير على النفس ومن روعة تذهل السامع أو القارئ من شدة ولاء الصحابة - رضي الله عنهم - لهذا الدين ... يقف الواحد منهم

فقه التجنيد في جيش التوحيد · الصفحة ١٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه التجنيد في جيش التوحيدص ١٤٧