عن ابن زياد قال: دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبيه قال: (ألا ترى ما يقول أبوك؟) قال ما يقول أبي؟ بأبي أنت وأمي – قال: (يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) فقال: فقد صدق والله يا رسول الله أنت والله الأعز وهو الأذل أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد ابرَّ بوالده مني ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتيتهما به فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا) فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أُبَيٍّ على بابها بالسيف لأبيه و قال: أنت القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟ أما و الله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ و الله لا يُؤويك ظلها ولا تَأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله فقال: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي يا للخزرج ابني يمنعني بيتي فقال: والله لا يَأويه أبدا إلا بإذن منه فاجتمع إليه رجال فكلموه فقال: والله لا يدخلن إلا بإذن من الله ورسوله فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فاخبروه فقال: " اذهبوا إليه فقولوا له: خَلِّه ومسكنه " فأتوه فقال: أما إذ جاء أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فنعم ... ." (1)، رحمك الله يا سيد قطب على هذه الكلمات الرائعة التي تسطَّر بمداد من ذهب فلقد أوجزت وأفدت وأعطيت المطلوب فرضي الله عنك ... وإن الحديث عن مسألة الولاء والبراء لهو حديث عن أمر عظيم ضلّ فيه من ضلّ وزلّ فيه من زلّ خاصة إذا ضعفت العقيدة في النفوس وسقطت الراية التي تجمع الأمة والدولة التي تدافع عنها والخليفة الواحد الذي يقود الأمة ... فصار لكل مسلم دولة ولكل مسلم جنسية ولكل زعيم راية ولكل قبيلة علم ولكل حزب برنامج ولكل طائفة مصالح وهكذا حتى تغيرت جنسياتنا من إسلامية إلى فلسطينية وأردنية وقَطَرية وسعودية وغيرها من الجنسيات التي جاء الإسلام ليصهرها في بوتقة العقيدة وفي خط الولاء المطلق لله .. والولاء يأتي في اللغة بمعنى القرب والدنوّ أي أنّك إن واليت فلاناً فإنك تقترب منه ولذلك تجد أن كل جماعة أو طائفة أو حتى عائلة ترتبط برابطة ولاء فإنّها تسعى للتقارب بين أبنائها حتى يصبحوا جسداً واحداً ويجتمعوا على قلب رجل واحد سواء أكان هذا القرب على الحقِّ أم على الباطل فإن لكل شخص ولاء إما للشرق وإما للغرب وإما للقبيلة وإما لأبيه وأمه ولو أنك سألت شخصاً في مكان عام إلى من تتبع؟ فوراً يجيبك إني اتبع للطائفة الفلانية أو العائلة الفلانية أو الحزب الفلاني أو الزعيم الفلاني ... ومن الصعب أو يكاد يكون من المستحيل أن يجيبك أحد أنني لا انتمي لأي شيء أنا قادم من الفضاء لأن الإنسان بطبيعته ضعيف وعند وقوع أي خطر عليه فإنّه يبحث عن أحد يحميه فمن كان انتماؤه لحزبه طلب منه المساعدة ومن كان انتماؤه لقبيلته لجأ إليها وطلب منها المساعدة حتى أننا نرى كثيراً من المشاكل العائلية أو القبلية الكبيرة والتي قد تمتد لسنوات طوال يقوم بها أو يبدؤها أحد أفراد عائلة من العائلات أو أحد أفراد القبيلة ثم تنتقل المشكلة من فردية إلى عائلية بحيث يأتي الإخوة والأقارب ثم تنتقل إلى "قبلية" فتأتي القبيلة كلها ثم القبائل المجاورة أو التي تربطها بالقبيلة صاحبة المشكلة علاقات اجتماعية أو اقتصادية أو مصالح مشتركة وبالتالي فإن الولاءات تلعب دوراً كبيراً في إدارة الصراعات وحسم المعارك فكم من معركة خسرها أصحابها لأن ولاء بعض الجنود تغير وكم من زعيم خذل في حربه مع عدوه لأن جيشه والى أعداءه وهذا صدام حسين الذي كان لديه الجنود والجيوش المختلفة الأشكال والأسماء فما أن بدأت الحرب حتى تخلّى عنه جنوده وغيّر بعض قادة جيشه ولاءهم لذلك انقلب ميزان الحرب فجأة وخلال ساعات وأيام قليلة هزم شر هزيمة والأمثلة في هذا السياق كثيرة سنأتي على ذكر بعضها بإذن الله تعالى .. وإن
(1) رواها ابن جرير في التفسير ولم أجد حكماً عليها.