تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعَالى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: مَسَّتْهُمُ البَاسَاءُ والضَّرَّاءُ وَزَلزلوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ).

لَمَّا ذَكَر اللهُ تَعَالى أَنَّ المُنَافِقينَ نَقَضٌوا العَهْدَ، وَصَفَ المُؤمنينَ بأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى المُحَافَظَةِ عَلَى العَهْدِ وَالمِيثَاق، وَأَنَّ مِنْهُمْ رِجَالاً أَوْفُوا بِمَا عَاهَدُوا الله عَلَيهِ مِنَ الصَّبْرِ في الشِّدَّةِ وَالبَاسَاءِ، فَاسْتُشْهِدَ بَعْضُهُمْ في بَدْرٍ، وَبَعْضُهُمْ اسْتُشْهِدَ فِي أُحُدٍ، وَبَعْضُهُمْ لَقِيَ وَجْهَ رَبِّهِ فِي غَيرِ هذِينِ المَوْقِفَينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَضَى عَلَى الوَفَاءِ للهِ بِالعَهْدِ، وَمَا غَيَّرُوا وَمَا بَدَّلُوا.

(رُوِيَ أَنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنسِ بْنِ النَّصْرِ الذِي قُتِلَ يَوْمَ أَحُدٍِ، وَكَانَ غَابَ عَنْ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، فَقَالَ: لَئِنْ أَرَاني الله تَعَالَى مَشْهَداً مَعَ رَسُولِ اللهِ، فِيمَا بَعدُ، لَيَرَينَّ اللهُ تَعَالى مَا أصْنَعُ). (وَقِيلَ إِنَّها نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَحَمْزَةُ بَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَبَتُوا وَقَاتَلُوا حَتى يُسْتَشْهَدُوا).

وَاللهُ تَعَالَى يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالخَوْفِ وَالزَّلْزَلَةِ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَيُظْهِرَ أَمْرَ كُلٍّ مِنْهُما جَلِيّاً وَاضِحاً، فَيَجْزِي أَهْلَ الصِّدْقِ بِصِدْقِهِمْ بِما عَاهَدُوا الله عَلَيهِ، وَيُعَذِّبَ المَنَافِقِينَ النَّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ، المُخَالِفِينَ لأَوِامِرِ رَبِّهِمْ، إِذا اسْتَمَرُّوا عَلى نِفَاقِهِمْ، حَتَّى يَلْقَوْهُ، أَمَّا إِذا تَابُوا وَعِمِلُوا صَالِحاً فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ سَيِّئَاتٍ وَآثامٍ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ، وَرَحْمَتُهُ لِعِبَادِهِ هِيَ الغَالِبَةُ لِغَضَبِهِ.

وَرَدَّ اللهُ المُشْرِكينَ، مِنْ قَرَيْشٍ وَغَطْفَانَ وَأسَدٍ وسُلَيْمٍ، بِغَيْظِهِمْ لِقْوتِ مَا أَمَلُوهُ مِنَ الظَّفَرِ بِمُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ، وَالفَوْزِ بالغَنائِمِ، وَلَمْ يَحْتَجِ المُؤْمِنُونَ إِلى مُنَازَلَتِهِمْ لإِجْبَارِهِمْ عَلَى الانْسِحَابِ، وَإِنَّما سَلَّطَ الله عَلَيهِمْ رِيحاً، وَارْسَلَ عَلَيهِمْ مَلائِكَتَهُ يُلْقُونَ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَانْسَحَبُوا مَخْذُولِينَ مَفْلُولِينَ فَكَفَى اللهُ المُؤْمِنينَ شَرَّ القِتالِ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ. وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً، لاَ يُغْلَبُ وَلاَ يُضَامُ. لَمَّا قَدِمَتِ الأَحْزَابُ إٍِلى المَدِينةِ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَبَيْنَ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَهْدٌ وَمُوَادَعَةٌ، فَجَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ - زَعيمُ يَهُودِ بَني النَّضِيرِ - وَكَانَ مَعَ قَوْمِهِ مَعَ الأحْزاب، - إٍِلى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَمُشَارَكَةِ الأَحْزَابِ فِي مُحَارَبَةِ المُسْلِميِنَ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمينَ. وَلَمَّا هَزَمَ الله الأَحْزَابَ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَسيرَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُعاقِبَهُمْ عَلَى غَدْرِهِمْ، وَنَقْضِهِمْ العَهْدَ. وَبَعْدَ حَرْبٍ دَامَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ يَوْماً اضْطَرُّوا إِلى النُّزُولِ على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَانَ حَلِيفاً لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَاسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اللهِ - وَكَانَ فِي المَدِينةِ يَشْتَكِي مِنْ جُرْحٍ أَصَابَهُ - فَحَكَمْ سَعْدٌ بِأَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالأَمْوالُ. وَلِذَلكَ قَالَ اللهُ تَعَالى: إِنَّهُ قَذَفَ فِي قُلُوبِ بَنِي قُرَيْظَةَ الرُّعْبَ (الذِينَ ظَاهَرُوا الأحْزَابَ مِنْ أَهلِ الكِتَابِ)، وَانْزَلَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ (صَيَاصِيهِمْ) عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فَقَتَلَ المُسْلِمُونَ فَرِيقاً، وَأَسَرُوا فَرِيقاً. وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤمِنينَ أَرْضَ بَني قُرَيَْةَ، وَنَخِيلَهُمْ، وَمَزارِعَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَمَوَاشِيَهُمْ، وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤْمنينَ الأَرَاضيَ التي فَتَحُوها فِيما بَعْدُ، مِنْ أَراضي اليَهودِ والمُشْرِكِينَ وَغَيرِهم، في الجَزِيرةِ

فقه الجهاد .. دراسة تأصيلية · الصفحة ٨١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الجهاد .. دراسة تأصيليةص ٨١١