أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ - قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاَللَّهِ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالْبَصْرَةِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ أَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَا أَبُو دَاوُد أَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - هُوَ ابْنُ أَبِي خَازِمٍ الضَّرِيرُ - عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ ﴿بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً إلَى خَثْعَمَ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَتَرَاءَى نَارُهُمَا﴾. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ الَّذِي قَدَّمْنَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الشَّعْبِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى جَرِيرٍ، فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِهِ. وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مُسْنَدٌ، إلَّا أَنَّ فِيهِ: إنَّ الْعَبْدَ بِإِقَامَتِهِ يَكُونُ كَافِرًا، فَظَاهِرُهُ فِي الْمَمْلُوكِ، لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُوصَفُ بِإِبَاقٍ - فِي الْمَعْهُودِ - لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي إسْحَاقَ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ أَنَّهُ فِي الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، وَبَيَانُ الْإِبَاقِ الَّذِي يَكْفُرُ بِهِ، وَهُوَ إبَاقُهُ إلَى أَرْضِ الشِّرْكِ، وَالْبُعْدُ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ عَبْدُ اللَّهِ تَعَالَى: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ﴿قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي﴾. فَقَوْلُهُ تَعَالَى (إذَا قَالَ الْعَبْدُ) عَنِيَ بِهِ الْحُرَّ وَالْمَمْلُوكَ - بِلَا شَكٍّ -. وَالْإِبَاقُ مُطْلَقٌ عَلَى الْحُرِّ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إذْ أَبَقَ إلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ رَسُولِهِ الْحُرِّ يُونُسَ بْنِ مَتَّى صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَبَقَ إذْ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِأَمْرِ رَبِّهِ تَعَالَى. وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ أَبَقَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَيُبَيِّنُ هَذَا حَدِيثُهُ صلى الله عليه وسلم ﴿أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وَهُوَ عليه السلام لَا يَبْرَأُ إلَّا مِنْ كَافِرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ مَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ مُخْتَارًا مُحَارِبًا لِمَنْ يَلِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِهَذَا الْفِعْلِ مُرْتَدٌّ لَهُ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ كُلُّهَا: مِنْ وُجُوبِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ، مَتَى قُدِرَ عَلَيْهِ، وَمِنْ إبَاحَةِ مَالِهِ، وَانْفِسَاخِ نِكَاحِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَبْرَا مِنْ مُسْلِمٍ. وَأَمَّا مَنْ فَرَّ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ لِظُلْمٍ خَافَهُ، وَلَمْ يُحَارِبْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَعَانَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَجِدْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُجِيرُهُ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ مُكْرَهٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الزُّهْرِيَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِم بْنِ شَهَابٍ: كَانَ عَازِمًا عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَحِقَ بِأَرْضِ الرُّومِ، لِأَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ كَانَ نَذَرَ دَمَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَانَ الْوَالِي بَعْدَ هِشَامٍ فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مَعْذُورٌ. وَكَذَلِكَ: مَنْ سَكَنَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، وَالسِّنْدِ، وَالصِّينِ، وَالتُّرْكِ، وَالسُّودَانِ وَالرُّومِ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ هُنَالِكَ لِثِقَلِ ظَهْرٍ، أَوْ لِقِلَّةِ مَالٍ، أَوْ لِضَعْفِ جِسْمٍ، أَوْ لِامْتِنَاعِ طَرِيقٍ، فَهُوَ مَعْذُورٌ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ مُعِينًا لِلْكُفَّارِ بِخِدْمَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ: فَهُوَ كَافِرٌ - وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُقِيمُ هُنَالِكَ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، وَهُوَ كَالذِّمِّيِّ لَهُمْ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى اللِّحَاقِ بِجَمْهَرَةِ
فقه الجهاد .. دراسة تأصيلية · الصفحة ٤٩٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فقه الجهاد .. دراسة تأصيليةص ٤٩٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي