تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ فَنَهَى بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُلَاطَفَتِهِمْ عَنْ النَّظَرِ إلَى أَمْوَالِهِمْ، وَأَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِإِبِلٍ لِبَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَدْ عَبَسَتْ بِأَبْوَالِهَا مِنْ السِّمَنِ، فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ وَمَضَى لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ فَقِيلَ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا﴾. وَقَالَ: ﴿أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فَهَذِهِ الْآيُ وَالْآثَارُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ الْكُفَّارُ بِالْغِلْظَةِ وَالْجَفْوَةِ دُونَ الْمُلَاطَفَةِ وَالْمُلَايَنَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ حَالٌ يَخَافُ فِيهَا عَلَى تَلَفِ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ أَوْ ضَرَرًا كَبِيرًا يَلْحَقُهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ إذَا خَافَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ إظْهَارُ الْمُلَاطَفَةِ وَالْمُوَالَاةِ مِنْ غَيْرِ صِحَّةِ اعْتِقَادٍ. وَالْوَلَاءُ يَنْصَرِفُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ يَلِي أُمُورَ مَنْ يَرْتَضِي فِعْلَهُ بِالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالْحِيَاطَةِ، وَقَدْ يُسَمَّى بِذَلِكَ الْمُعَانَ الْمَنْصُورَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَتَوَلَّى نَصْرَهُمْ وَمَعُونَتَهُمْ. وَالْمُؤْمِنُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُعَانُونَ بِنُصْرَةِ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. أحكام القرآن للجصاص - (ج 3 / ص 388)

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (23) سورة التوبة

بَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ اللهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهُ، وَبَرَاءَةَ رَسُولِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَآذَنهم بِنَبْذِ عُهُودِهِمْ، بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ تَعَالَى أنَّهُمْ لاَ عُهُودَ لَهُمْ، عَزَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ المُسْلِمِينَ، وَتَبَرَّمَ مِنْهُ ضُعَفَاءُ الإِيمَانِ، وَكَانَ مَوْضِعَ الضَعْفِ نُصْرَةُ القَرَابَةِ وَالعَصَبِيّةِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إنَّ فَضْلَ الإِيمَانِ وَالهِجْرَةِ وَالجِهَادِ لاَ يَتَحَقَّقُ، وَلاَ يَكْتَمِلُ إلاَّ بِتَرْكِ وَلاَيَةِ الكَافِرِينَ، وَإِيثَارِ حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، عَلَى حُبِّ الوَلَدِ وَالوَالِدِ وَالأخِ وَالعَشِيرَةِ، فَنَهَى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالاَةِ الذِينَ يَخْتَارُونَ الكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ. وَتَوَعَّدَ مَنْ يَتَولاَّهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالعِقَابِ الشَّدِيدِ، فِي هذِهِ الآيَةِ، وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى، وَعَدَّ مَنْ يَتَولَّى الكُفَّارَ، وَلُوْ كَانُوا آباَءً أَوْ إِخْوَاناً، مِنَ الظَّالِمِينَ.

وقال السعدي:

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعملوا بمقتضى الإيمان، بأن توالوا من قام به، وتعادوا من لم يقم به. و ﴿لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾ الذين هم أقرب الناس إليكم، وغيرهم من باب أولى وأحرى، فلا تتخذوهم ﴿أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾ أي: اختاروا على وجه الرضا والمحبة ﴿الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ﴾

فقه الجهاد .. دراسة تأصيلية · الصفحة ٤٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الجهاد .. دراسة تأصيليةص ٤٨٠