تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِي كُتُبِهِ مِنْ شْرعٍ، فَأولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، لأنَّهُمْ لَمْ يُنْصِفُوا المَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ، فِي أَمْرٍ أَمَرَ اللهُ بِالعَدْلِ وَالمُسَاوَاةِ فِيهِ بَيْنَ جَميعِ خَلْقِهِ.

وَأَرْسَلْنَا مِنْ بَعْدِ هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَيسَى بْنَ مَرْيَمَ مُؤْمِناً بِالتَّوْرَاةِ، وَحَاكِماً بِمَا فِيهَا مِنْ أَحْكَامٍ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى لِلْحَقِّ، وَبَيَانٌ لِلأَحْكَامِ، وَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي إِزَالَةِ الشُّبُهَاتِ، وَحَلِّ المُشْكِلاَتِ. وَجَاءَ الإِنْجِيلَ مُصَدِّقاً لِلْتَّورَاةِ، وَمُتَّبعاً لَهَا، غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا فِيهَا إلاّ فِي القَلِيلِ مِمَّا بَيَّنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْضَ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَجَعَلْنَا الإِنْجِيلَ هُدًى يَهْتَدِي بِهِ المُتَّقُونَ، وَوَاعِظاً وَزَاجِراً لَهُمْ عَنِ ارْتِكَابِ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَعَنِ اقْتِرَافِ المَآثِمِ.

يَامُرُ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الإِنْجِيلِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الأَحْكَامِ، وَبِأَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ شَرْعٍ يُؤْمِنُ بِهِ، كَانَ مِنَ الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَحُكْمِهِ.

وقال ابن كثير رحمه الله:

ثُمَّ مَدَحَ التَّوْرَاة الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى عَبْده وَرَسُوله مُوسَى بْن عِمْرَان فَقَالَ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا هُدًى وَنُور يَحْكُم بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا أَيْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ حُكْمهَا وَلَا يُبَدِّلُونَهَا وَلَا يُحَرِّفُونَهَا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار أَيْ وَكَذَلِكَ الرَّبَّانِيُّونَ وَهُمْ الْعُلَمَاء الْعُبَّاد وَالْأَحْبَار وَهُمْ الْعُلَمَاء بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه أَيْ بِمَا اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَاب اللَّه الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يُظْهِرُوهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوْا النَّاس وَاخْشَوْنِي أَيْ لَا تَخَافُوا مِنْهُمْ أَوْ خَافُونِي وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ فِيهِ قَوْلَانِ سَيَاتِي بَيَانهمَا سَبَب آخَر فِي نُزُول الْآيَات الْكَرِيمَات وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْعَبَّاس حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ إِنَّ اللَّه أَنْزَلَ مَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ وَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ قَالَ: قَالَ اِبْن عَبَّاس أَنْزَلَهَا اللَّه فِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْيَهُود وَكَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتْ الْأُخْرَى فِي الْجَاهِلِيَّة حَتَّى اِرْتَضَوْا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلّ قَتِيل قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَةُ مِنْ الذَّلِيلَةِ فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وَسْقًا وَكُلَّ قَتِيل قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَة مِنْ الْعَزِيزَة فَدِيَته مِائَة وَسْق فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَتْ الذَّلِيلَةُ مِنْ الْعَزِيزَة قَتِيلًا فَأَرْسَلَتْ الْعَزِيزَة إِلَى الذَّلِيلَة أَنْ اِبْعَثُوا لَنَا بِمِائَةِ وَسْق فَقَالَتْ الذَّلِيلَة وَهَلْ كَانَ فِي حَيَّيْنِ دِينُهُمَا وَاحِدٌ وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَة بَعْض إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْمًا مِنْكُمْ لَنَا وَفَرَقًا مِنْكُمْ فَأَمَّا إِذَا قَدِمَ مُحَمَّد فَلَا نُعْطِيكُمْ فَكَادَتْ الْحَرْب تَهِيج بَيْنهمَا ثُمَّ اِرْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمْ ثُمَّ ذَكَرَتْ الْعَزِيزَةُ فَقَالَتْ وَاَللَّه مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْف مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ وَلَقَدْ صَدَقُوا مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلَّا ضَيْمًا مِنَّا وَقَهْرًا لَهُمْ فَدُسُّوا إِلَى مُحَمَّد مَنْ يُخْبِر لَكُمْ رَايه إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حَذِرْتُمْ فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ فَدَسُّوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِيُخْبِرُوا لَهُ رَاي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جَاءُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ اللَّه رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِمْ كُلّه وَمَا أَرَادُوا فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى يَا أَيّهَا الرَّسُول لَا يَحْزُنك الَّذِينَ

فقه الجهاد .. دراسة تأصيلية · الصفحة ٣٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الجهاد .. دراسة تأصيليةص ٣٠٧