وقال مادحاً المؤمنين: "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون" [9].
وقوله في سورة المائدة: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .. " [10] إلى آخر الآيات.
وقوله: "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى" [11].
وقوله: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً" [12].
أقوال أهل العلم في ذلك، قديماً وحديثاً:
لقد أطبق أهل العلم من أهل السنة قاطبة، قديماً وحديثاً، على كفر من ردَّ حكم الله ورضي بحكم الطواغيت، وإليك بعضاً من أقوالهم.
1) ابن حزم رحمه الله:
قال عند قوله تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيحَ .. " الآية: (لما كان اليهود والنصارى يحرِّمون ما حرَّم أحبارُهم ورهبانُهم، ويحلون ما أحلوا، كانت هذه ربوبية صحيحة، وعبادة صحيحة، وقد دانوا بها، وسمى الله تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله عبادة، وهذا هو الشرك بلا خلاف) [13].
وما ذهب إليه ابن حزم قرّره الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى الصليب على عدي بن حاتم، وتلا عليه هذه الآية، فقال: ما عبدناهم؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال؟ " قال: نعم؛ قال: "تلك عبادتكم إياهم" الحديث.
فدل ذلك على أن الرضا بما يشرعه البشر ليس ناقضاً لتوحيد الألوهية فقط، بل ناقض لتوحيد الربوبية.
2) ابن تيمية رحمه الله:
قال: (ذمَّ اللهُ عز وجل المدعين الإيمان بالكتب كلها، وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون الله، كما يعيب ذلك كثير ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أوغيرهم، أوإلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام) ... إلى أن قال: (ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما شجر بين الناس في أمر دينهم ودنياهم في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء ألا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حكم ويسلموا تسليماً" [14].
3) ابن القيم رحمه الله:
قال: (أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً [15] مؤكداً بالنفس قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح،