تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَشِحَّاءٌ (وَقيلَ بَلِ المَعْنَى هُو: فَإِذا ذَهَبَ الخَوْفُ بَالُوا في شَتْمِكُمْ وَذَمِّكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ مَشْحُوذَةٍ قَاطِعَةٍ).

وَهؤُلاءِ، الذِينَ بَسَطَ اللهُ تَعَالى أَوْصَافَهُمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ إِيمَاناً صَادِقاً، وَلَمْ يُخْلِصُوا العَمَلَ لأَنَّهُمْ أهْلُ نِفَاقٍ فَأَهْلَكَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ، وَأَبْطَلَها، وَأَذْهَبَ ثَوَابَها وأُجُورَها، وَجَعَلَهَا هَبَاءً مَنْثُوراً، وَكَانَ إِحْبَاطُ أَعْمَالِهِمْ أَمراً يَسِيراً عَلَى اللهِ.

وَهُمْ مِنْ شِدَّةِ دَهْشَتِهِمْ، وَضَعْفِ إِيمَانِهِمْ لاَ يَزَالُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ الأَحزابَ مِنْ قُرَيشٍ وغَطْفَانَ. . لَمْ يَرْحَلُوا عنِ المَدِينةِ، وَقَدْ هَزَمَهُمُ اللهُ وَرَحَلُوا. وإِذا عَاد الأَحْزَابُ مَرَّةً أُخْرى لِقتَالِ المُسْلِمِينَ فِي المَدينةِ وَحِصَارِها، تَمَنُّوا لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِي البَادِيةِ بينَ الأعرابِ بَعِيداً عن المَدينةِ، حَتَّى لا يَلْحَقَ بِهِمْ مَكْرُوهٌ، وَيَكْتَفُونَ بالسُّؤَالِ عنْ أًَخْبَارِكُمْ كُلَّ قَادِمٍ إِليهِمْ مِنْ جِهَةِ المَدينةِ. وَلَوْ أَنَّ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ كَانُوا بَيْنَكُمْ أَثْنَاءَ القِتَالِ لمَا قَاتَلُوا مَعَكُمْ إِلاَّ قِتَالاً يَسيراً رِيَاءً وَخَوْفاً مِنَ المَعْرَكَةِ، لا قِتَالاً يَرْجُونَ بِهِ ثَوابَ اللهِ في الآخِرَةِ.

وفي الظلال:

لقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعاً لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين!

ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء. فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان!

﴿وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا﴾. .

فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف، والعودة إلى بيوتهم، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا، لا موضع لها ولا محل، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم. . وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها، ثغرة الخوف على النساء والذراري. والخطر محدق والهول جامح، والظنون لا تثبت ولا تستقر!

﴿ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون: إن بيوتنا عورة﴾. .يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو. متروكة بلا حماية.

وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة، ويجردهم من العذر والحجة: ﴿وما هي بعورة﴾. .

ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار: ﴿إن يريدون إلا فراراً﴾. .

وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ﴿إن بيوتنا عورة﴾، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا،

فقه الجهاد .. دراسة تأصيلية · الصفحة ١٠٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الجهاد .. دراسة تأصيليةص ١٠٨٤