كنت حائضا فإن الحائض لا حرج أن تدخل المسجد، ولكنه أجاب بجواب يفهم منه أن الأصل منعها من دخوله والمكث فيه، إلا أنه استثنى هذا الشيء، وهو تناول الحائض من المسجد شيئا كخمرة ونحوها، وكذلك نقول:- إن عائشة رضي الله عنها كان قد تقرر عندها أن الحائض ممنوعة من المسجد، ولذلك لما أمرها بالإتيان بالخمرة، تعللت بكونها حائضا، أي كأنها قالت:- كيف أدخل المسجد وأنا حائض فالنبي صلى الله عليه وسلم أقرها على فهمها من أن الحائض لا تدخل المسجد، ولكنه صحح عندها قضية التعميم، وأن هذا الأمر اليسير لا حرج على الحائض فيه، والمتقرر أن إقراره صلى الله عليه وسلم دال على صحة الفهم والعمل، إذ لو كان فهمها من أن الحائض لا تدخل المسجد ليس بصحيح لما أقرها عليه، ولصحح لها هذا المفهوم، لكنه أقرها عليه، ولكنه استثنى منه تناولها من المسجد الشيء، لأن هذا لا يعتبر في العرف مكثا، لأن وقته قصير، وأمره يسير، وهذا يذكرني بقول عمر لما قال في قصة حاطب بن أبي بلتعة لما فعل ما فعل، قال عمر:- يا رسول الله دعني أضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((يا عمر، وما يدريك، إن الله اطلع على أهل بدر فقال:- افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر على مسألة القتل، ولم ينكر عليه، إلا أنه بين له المانع منه، وهو أن حاطب ممن شهد بدرا، وحسنة شهودها أكبر من فعله هذا، لأن الله تعالى قد غفر لأهل بدر، فلو كان قتله لا يجوز، لما كان هذا جواب النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان يجيب بغير هذا وهكذا هنا، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقل لعائشة:- إنه لا حرج على الحائض أن تدخل المسجد، بعد قولها له:- إني حائض، ولكنه قال لها ((إن حيضتك ليست في يدك)) فتأمل هذا الجواب، يتضح لك وجه استدلالنا به، والله أعلم، ومن الأدلة أيضا حديث أم عطية، رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر النساء أن يخرجن مع الرجال لصلاة العيد، حتى كان يأمر الحيض وذوات الخدور بالخروج لصلاة العيد، فيشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى، والحديث متفق عليه، فأمره للحيض أن يعتزلن
فقه الدليل والتعليل والتأصيل · الصفحة ٢٦٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فقه الدليل والتعليل والتأصيلص ٢٦٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي