المتقرر في الشرع أن الحيل كلها محرمة، أعني الحيل التي تتضمن مخالفة الشرع، والمحتال لا بد أن يعامل بنقيض قصده، فمن جامع زوجته الحائض, ولم يكفر، وجامع ثانيا وثالثا قبل التكفير، وهو قاصد جمعها في كفارة واحدة، فهو يريد بتأخير الكفارة أن لا تتعد الكفارات عليه فإنه يجب عليه في كل وطء كفارة، وأما من جامع ولم يقصد الفرار من تعدد الكفارات فالصحيح عندي أن لا يلزمه إلا كفارة واحدة، تأتي على ما مضى، لأن المتقرر في القواعد أن من كرر محظورا من جنس واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد ما لم يخرج موجب الأول، وقد شرحنا هذه القاعدة الطيبة في كتابنا (تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية) وفرعنا عليه من سرق مرارا ومن زنى مرارا ومن قلم أظفاره في الإحرام مرارا ومن كرر الجماع في نهار رمضان في يوم واحد مرارا، وغير ذلك، وهي قاعدة تداخل الواجب في فعل المحظور، وسوف نكررها هنا في هذا المؤلف متى ما عرض لنا فرع من فروعها إن شاء الله تعالى، لكن لا بد أن تعلم أنها لا بد فيها من شرطين , الأول:- أن لا يخرج موجب الأول، الثاني:- أن لا يكون التأخير عن إخراج موجب الأول يراد به الفرار والحيلة، والله أعلم.
مسألة:- فإن قلت:- وهل هذه الكفارة على التراخي أو الفورية؟ فأقول:- لقد خرج الحديث الموجب لها مخرج الأمر، والمتقرر في القواعد أن الأمر المطلق عن القرينة يفيد الفورية، فلا جرم أن الراجح هنا هو أن إخراجها على الفور إلا لمانع شرعي وعذر مرعي، وأما التساهل الذي لا داعي له، فإنه يوجب على العبد أن يتوب منه لأنه أخر الواجب بلا عذر معتبر، فيجب على من جامع امرأته وهي حائض أن يخرج هذه الكفارة على الفور، والله أعلم.
مسألة:- فإن قلت:- وأين مصرفها؟ فأقول:- إنها تصرف في الفقراء والمساكين لأن شأنها شأن كل الكفارات في ارتكاب المحظور، لا تصرف إلا في الفقراء والمساكين والله أعلم.