رأيت إلى عقيدة اليهود في مسألة الحيض لوجدت فيها من الأغلال والآصار الشيء الكثير، فإنهم كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، بل تبقى منعزلة حتى تطهر، وهذا غلو وإفراط، وهو مما تميز به بني يهود، وأما النصارى فإنهم تسامحوا في أمرها وفتحوا الباب على مصراعيه معها حتى أجازوا في دينهم المحرف أن توطأ، وهذا فيه تفريط، فاليهود أفرطوا، والنصارى فرطوا، والمسلمون توسطوا ويعبر حديث أنس عن هذه الوسطية المباركة في قول النبي صلى الله عليه وسلم ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) فقوله " اصنعوا كل شيء " رد على اليهود الذين قالوا:- لا تصنعوا أي شيء، وقوله " إلا النكاح " رد على النصارى الذين قالوا:- اصنعوا معها كل شيء حتى النكاح، فهي صورة من صور الوسطية التي لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار، وأن يشاد بها، ليفرح بها المؤمنون، ولنا في ذلك رسالة متوسطة في بيان قاعدة الوسطية العامة والخاصة، ونعني بالوسطية العامة:- أي وسطية الأمة الإسلامية بين الأمم، ونعني بالوسطية الخاصة:- أي وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الأمة، وعلى ذلك قرر أهل السنة رحمهم الله تعالى القاعدة التي تقول (أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة، كوسطية الأمة بين الأمم) وهي التي عليها مدار الشرح في الرسالة المذكورة، وفقنا الله تعالى وإياكم للثبات على هذه الوسطية، إنه سميع مجيب، والله أعلم.
مسألة:- أقول:- لقد اتفق أهل العلم رحمهم الله تعالى في تحريم الاستمتاع بالمرأة حال حيضها في الفرج، وقد سقنا لك الأدلة على ذلك، واتفقوا رحمهم الله تعالى على جواز الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، أي ما زاد على موضع الإزار واختلفوا رحمهم الله تعالى في حكم الاستمتاع بها فيما بين السرة والركبة، على أقوال والراجح منها والله أعلم هو الجواز، لكنه خلاف الأولى، وبرهان ذلك:- قوله تعالى ? وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ ? وهذا التخصيص يفيد أن اعتزالها في غير المحيض ليس بواجب، لأن المحيض هو المحل الذي يخرج منه الحيض، فاعتزال هذا المحل بخصوصه هو الوارد في الأدلة، ويبقى ما عداه على أصل الحل، والمتقرر أن ما ورد