الحكم يدور مع عليته وجودا وعدما، ولأن المتقرر أن التحديد الشرعي مبناه على التوقيف، ولا نعلم في تحديد السبع دليلا يصلح أن يعتمد عليه، وأما قول عائشة:- إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. فهو ضعيف، ولو صح فإنه يحمل على الغالب لا على الكل، أي أنه قضية أغلبية لا كلية، ولأن المتقرر أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة، وأما استقراء بعض أحوال النساء، فإنه لا يفيد القطع بل ولا غالب الظن، لأن الفقيه إنما يدرس أحوال نساء بلده، أو ما جاوره، فلا يعتمد على التقدير في الشرع في مثل هذه المسألة على مثل هذا الاستقراء الضعيف ومن الذي يستطيع استقراء لأحوال النساء في العالم كله، وفي كل زمان من الأزمنة، وهل هذا يمكن لأحد، ومن المعلوم أن الشريعة لا تعلق الأحكام بما يشق التعرف عليه أو بما لا يعرفه إلا الآحاد، بل المعهود من الشارع أنه لا يعلق الأحكام إلا بما يتفق على وعرفته الجميع أو الأكثر، وأحكام الحيض هنا لا تعلق لا على سبع سنين ولا على تسع، لأن ذلك لا ينضبط، فهو متفاوت، والمتقرر أن الحكمة إذا صارت خفية غير منضبطة فإن الحكم الشرعي يناط بالوصف الظاهر المنضبط، ولا أظهر من تعليق أحكام الحيض على وجود الدم الصالح أن يكون حيضا، فإن هذا أمر يعرفه كل النساء فمتى وجد الدم المحكوم عليه بأنه حيض فهو حيض، ومتى عدم هذا الدم عدم الحكم ولأن المتقرر أن كل ما تراه المرأة من الدم فهو حيض حتى يرد ما يخرجه عن هذا الأصل بيقين، والأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل، هذا هو الحق في هذه المسألة واختاره الشيخ تقي الدين، وهو قول المحققين من أهل العلم، والله تعالى أعلم.
مسألة:- وكما اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في ابتداء سن الحيض، فقد اختلفوا كذلك في آخر سن يمكن أن تحيض المرأة فيها، والصحيح أنه لا يحد ذلك بسن، وإنما المعتبر الوجود، فمتى ما وجد الدم المحكوم عليه بأنه حيض فهو حيض، بغض النظر عن السن تقدما وتأخرا، ولو رأته بعد الستين، فلا يحد نهاية الحيض لا بخمسين ولا بستين ولا بسبعين، ولا بغيرها، بل يحد بالوجود، كما ذكرناه في الفرع الذي قبله وبرهان ذلك