تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرجسية المعنوية حتى في الخمر، ويؤيد ذلك القرينة, الثانية:- وهي قوله تعالى ? مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ? والعمل لا يوصف بأنه نجس نجاسة حسية، بل لا يصدق فيه إلا الوصف بأنه رجس في المعنى لا في الحس، وهي قرينة قوية على أن المراد بقوله "رجس " أي الرجسية المعنوية لا الحسية، ولا يقال:- إنها حرمت من كل الوجوه، لأننا سنقول:- وإن يكن، فإن التحريم لا يستلزم النجاسة وإن كان تحريما من كل الوجوه ألا ترى أنهم يقولون:- إن آنية الذهب والفضة محرمة في جميع الاستعمالات، ومع ذلك يقولون:- إنها طاهرة، وإنما حرم استعمالها فقط، فالخمر محرمة من كل وجه ولكن لا لأنها نجسة، وإنما لعظم جرمها وفداحة خطبها وقبح آثارها على الدين والعقل والروح والفرد والمجتمع ولما فيها من المفاسد الكبيرة، وغير ذلك مما فيها، وليس قولنا إنها طاهرة يتضمن التساهل في أمر الخمر، لأننا نؤمن أنها محرمة وأنه لا يجوز تعاطيها بأي حال من الأحوال، لا بيعا ولا شراء ولا عصرا ولا صنعا ولا حملا لمن يشربها ولا أي وجه مما يعين على تعاطيها، كل ذلك مما نؤمن به، ولكن لا يحملنا هذا أن ننجس عينا بلا إذن من الشرع، لأن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة، والله ربنا أعلى وأعلم.

مسألة:- ومما يضارع هذه المسألة:- مسألة العطور التي يدخل في تركيبتها شيء من الكحول، وعلى قولنا السابق فإن الخمر طاهرة، وهذه الكحول المسكرة حرام أيضا ولكنها طاهرة، ولم يقم لنا دليل على نجاستها، والأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل والأصل براءة الذمة، والأصل في الأحكام الشرعية التوقيف على النص، وأما استعماله فأقول:- إن كانت نسبة الكحول فيه لم تنعدم، بحيث بقي في العطر منها لون أو طعم أو ريح، أو كان موجبا لسكر من شربه، فهو محرم الاستعمال، لأنه في حقيقته خمر والخمر يحرم استعمالها من كل وجه، ولأن المتقرر في القواعد وجوب سد الذرائع وتجويز استعمال هذه الأطياب قد يفضي إلى مالا تحمد عقباه من شربها، وأما إن كانت الخمر قليلة منعدمة، فلا بأس باستعمالها، والترك أحوط وأبرأ للذمة، وأبعد عن المتشابهات،

فقه الدليل والتعليل والتأصيل · الصفحة ٢٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الدليل والتعليل والتأصيلص ٢٢٢