أيضا حديث عائشة أنهم كانوا يأكلون اللحم والدم خطوط على القدر، وهو الدم الباقي في العروق بعد ذبح الحيوان وخروج الدم المسفوح، مما يفيد أن المحرم إنما هو الدم المسفوح، وأما النهي عن بيعه وشربه فإن النهي عن الشيء لا يستلزم أنه نجس، لأن المتقرر أنه ليس كل حرام نجس، فإن قلت:- فقد ادعى بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى الإجماع على نجاسة الدم، والإجماع من حجج الشرع، فأقول:- نعم، هذا صحيح، ولكن حكاية الإجماع فيها نظر، وذلك لثبوت الخلاف، وما ذكرناه من الآثار عن بعض الصحابة، كاف في نقض هذه الدعوى، والله أعلم.
مسألة:- والصحيح طهارة دم الإنسان الذي يخرج من العرق، لأن الأصل الطهارة ويستدل له بما قدمنا من الأدلة، والصحيح أن دم الشهيد كغيره من الدماء الطاهرة لكن ثبت أن له مزية على الدماء في الآخرة، كما في حديث ((اللون لون الدم والريح ريح المسك)) والصحيح أن علقة الحيوان الطاهر طاهرة، لأنها متولدة من طاهر، والمتولد من الطاهر طاهر، ولأن الأصل في الأعيان الطهارة حتى يقوم الدليل على نجاستها، وليس هناك دليل يدل على نجاسة العلقة، والصحيح طهارة دم الكبد والطحال من الحيوان الطاهر، لأن هذه الأشياء تتبع حكم الذات، فما كانت ذاته طاهرة، فهذه الأشياء منه طاهرة، وما كانت ذاته نجسة، فإنها تكون منه نجسة, ولأن المتقرر أن الأصل في الأعيان الطهارة حتى يقوم دليل النجاسة، والصحيح أن دم السمك طاهر، لأنه أصلا يحل بلا ذكاة، مما يفيد أن الدم المحتبس فيه ليس هو الدم الذي يوجب نجاسة الميتة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان، فالكبد والطحال)) لا بأس بسنده مرفوعا، وإن قلنا إنه موقوف، فإن له حكم الرفع، والصحيح أن القيح والصديد طاهرة من الحيوان الطاهر، لأن الأصل في الأشياء الطهارة، ولا دليل يقوم على تنجيس هذه الأشياء، والمتقرر أن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل والحكم بنجاسة شيء حكم شرعي، والمتقرر أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة، والله أعلم.