تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسألة:- واختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في الدم، والراجح عندي التفصيل فيه فأما دم الحيض فقد قدمنا اتفاق أهل العلم رحمهم الله تعالى على نجاسته مع بيان الأدلة على ذلك، وأما الدم المسفوح فكذلك أيضا هو نجس على القول الصحيح، وهو قول عامة أهل العلم إلا ما ندر، وبرهان ذلك قوله تعالى ? قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ? والرجس:- النجس، وقوله ? أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ? هذا قيد للإطلاق في قوله تعالى ? حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ ? فالدم أطلق هنا في سورة المائدة وقيد هناك في سورة الأنعام، والمتقرر في الأصول أن المطلق يبنى على المقيد إذا اتفقا في الحكم، وهنا قد اتفقا في الحكم والسبب، فإن قلت:- وكيف يبنى المطلق على المقيد والمطلق هو المتأخر، فإن سورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن، فهي مدنية بالاتفاق، وأما سورة الأنعام فهي مكية بالاتفاق؟ فأقول:- لقد تقرر في الأصول:- أنه لا يضر في بناء المطلق على المقيد تقدم أحدهما على الآخر، أو تأخره عنه، كما قلناه في العموم والخصوص، فإن العام يبنى على الخاص ولو كان العام هو المتأخر فتأخره لا يضر عند جمهور الأصوليين، خلافا للحنفية، فكذلك المطلق والمقيد، فإن المطلق يبنى على المقيد وإن كان المطلق هو المتأخر، فالدم المطلق في سورة المائدة إنما يراد به الدم المسفوح، على القيد الوارد في سورة الأنعام، وقد تقرر في القواعد أن العموم المطلق بدلي لا شمولي، يعني أنه المطلق بعد التقييد لا يصدق إلا على ما يصدق عليه المقيد فقط، فلا يبقى منه شيء بعد التقييد، بخلاف العام بعد التخصيص، وهذه مسألة أصولية ذكرتها في كتابي (تعريف الطلاب بأصول الفقه في سؤال وجواب) والمهم أن قوله " أو دما مسفوحا " يفيد أن الدم المسفوح نجس، ولأن الدم المسفوح أصلا هو علة تنجيس الميتة حتف أنفها، فكيف يكون هو العلة في نجاستها ولا يكون هو في ذاته نجسا؟ هذا بعيد، وأما ما عدا هذين من الدماء، فإنني لا أعلم دليلا صريحا صحيحا يفيد أنها نجسة، وإنما الدليل فقط قام على نجاسة دم الحيض، والدم المسفوح ولكن بقية الدماء، أين الدليل على القول بنجاستها؟ بل إنه قد

فقه الدليل والتعليل والتأصيل · الصفحة ٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الدليل والتعليل والتأصيلص ٢١١