فلا شك أنه نجس وأن تطهيره لا بد فيه من الغسل، ولا يكتفى بغمره بالماء فقط، فإن قيل:- وما العلة في هذا التفريق؟ فأقول:- إن المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن أفعال الله تعالى لها حكمة، فلا يفعل الرب جل وعلا إلا وله الحكمة البالغة والمصلحة المتناهية، ومن ذلك التشريع، فإن هذا التشريع لم يصدر إلا عن حكمة بالغة، فيكفي المؤمن أنه حكم ثبت في الشرع وصح سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهذا كاف في تطبيق هذا الحكم، وفي ارتياح القلوب، لأنه تشريع صادر من عند الحكيم العليم الخبير الذي لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، جل وعلا، ومع ذلك فقد بحث أهل العلم رحمهم الله تعالى في الحكم الفرعية، لأن الحكمة الأصلية هي ثبوت الحكم في الشرع، فذكروا عدة حكم الأولى:- أنه من التفريق الذي لا يدخل تحت مدركات عقولنا، فهو حكم تعبدي غير معقول المعنى، فعقولنا أقصر وأنقص من أن تدرك عين الحكمة في هذا التفريق، الثانية:- قالوا:- إن النفوس إلى الغلام أميل وأحب من المولود الأنثى، فمع زيادة المحبة والرغبة، فإن حمله ووضعه سيتكرر فلو وجب غسل بوله مع كثرة حملة لكان فيه من العسر والحرج ما الله به عليم، والشرع جاء برفع الحرج والتخفيف عن المكلفين, وهذا من صور التخفيف، وأما الأنثى فحملها معتدل فلا مشقة في غسل بولها كل مرة, وأنا لا أرتضي هذه الحكمة، ولا أرى أنها الحكمة الصحيحة، لأنها حكمة فيها نوع جاهلية، وقد جاء الإسلام بقطع دابر ذلك، ولأنها غير منضبطة، ولا ينبغي تعليق الأحكام على ما ليس بمنضبط، الثالثة:- قالوا:- إن طبيعة الغلام حارة، والحرارة الداخلية كفيلة بأن تطبخ البول، فيخرج وهو خفيف النجاسة لقوة الحرارة التي لقيها في الداخل، فيكتفى فيه بالنضح لخفة النجاسة، وأما الأنثى فإن طبيعتها باردة, فيخرج بولها على حاله في النجاسة، لأنه ليس ثمة حرارة تخففه، فوجب فيه الغسل، وهذا غير منضبط أيضا، الرابعة:- قالوا:- إن من العادة المعلومة أن بول الغلام يجتمع في مكان واحد ولا ينتشر، فكان من الممكن الإحاطة بأطراف النجاسة بلا كلفة, فاكتفي فيه بالنضح، وأما
فقه الدليل والتعليل والتأصيل · الصفحة ٢٠٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فقه الدليل والتعليل والتأصيلص ٢٠٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي