تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير هذا الدليل، ألا ترى أن السم حرام الأكل لكنه طاهر، وأن الذهب والحرير حرم على الرجال وهي طاهرة، وأن آنية الذهب والفضة حرام على الجنسين وهي طاهرة والأمثلة كثيرة، فالسباع لا يجوز أكل لحمها ولا افتراش جلودها ولا الركوب عليها ولكن هذا لا لأنها نجسة، بل لعلة أخرى سيأتي الكلام عليها في باب اللباس والأطعمة إن شاء الله تعالى، والمهم هنا أن تعلم أن التحريم لا يستلزم النجاسة، أي ليس كل حرام نجس، وعلى كل حال، فإنني إلى ساعتي هذه لم أجد دليلا ينهض للقول بنجاسة سباع البهائم والطير، وحيث لا دليل فأنا باق على الأصل حتى يرد الناقل، ولا يقال إن السباع محرمة الأكل، وكل محرم الأكل إن أمكن التحرز منه فهو نجس، لأننا سنقول:- هذا مجرد رأي لصاحبه، والآراء لا يستفاد منها أحكام شرعية، لأن المتقرر أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة، لا سيما وأن الحكم على النجس بأنه نجس إنما هو إثبات لأمر غيبي، لأن نجاسة الذات لا ترى بالعين المجردة، فهي أمر غيبي، والمتقرر أن الأمور الغيبية توقيف على الدليل، والمتقرر أن العقل لا مدخل له في باب الغيبيات، فالأمر وقف على الدليل، وأنت رأيت أن لا دليل صريح على القول بأنها نجسة، والله أعلم.

مسألة:- واختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في بول الصبي الصغير الذي لم يأكل الطعام، والحق عندي أنه نجس قد خفف في تطهيره، وبرهان هذا حديث أم قيس بنت محصن الأسدية رضي الله عنها أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام على النبي صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله. رواه الجماعة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت:- كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالصبيان فيحنكهم، فأتي بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله. وهو في الصحيحين، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل)) قال قتادة:- وهذا إذا لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعا. رواه أحمد والترمذي، وهو حديث حسن،

فقه الدليل والتعليل والتأصيل · الصفحة ٢٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الدليل والتعليل والتأصيلص ٢٠٠