تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معتمد في تنجيس سباع البهائم والطير، وحيث لا دليل، فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل، ولا يقال:- فقد روى أبو داود وغيره عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)) لأننا سنقول:- لنا على الاستدلال به أجوبة , الأول:- أنه حديث متكلم في إسناده، ولكن بعد النظر فيه وجدنا أن سنده جيد فهذا الجواب منا ضعيف لا ينظر إليه، الثاني:- أن الحديث فيه (وما ينوبه) وهذا أعم من الشرب منه فقط، فقد تنوبه ببولها وروثها، ومن المعلوم أن بولها وروثها نجس لأنها لا تؤكل، وما لا يؤكل فروثه وبوله نجس، وليس المقصود بقوله (تنوبه) أي تشرب منه فقط، ومن قصره على ذلك فليأت بالدليل الدال على هذا، فالعلة في تنجيس الماء لو كان أقل من القلتين على قول من يقول به ليس هو سؤر السباع، وإنما خوضها في الماء ببولها وروثها، لأنها تنوب الماء، الثالث:- أن من السباع التي تنوب الماء الكلاب، فالكلب داخل في مسمى السباع، كما أنه داخل في مسمى الدواب، وإذا كان الكلب من جملة ما ينوب الماء لم يكن الحديث دالا على نجاسة كل سبع، وإنما يدل فقط على نجاسة السباع التي ثبتت نجاستها بالدليل كالكلب لا سيما وقد ورد في بعض الروايات:- وما ينوبه من الكلاب والدواب. وهذان احتمالان قويان لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار، وقد تقرر في القواعد أن الاحتمال القوي المعتبر إن تطرق إلى الدليل سقط به الاستدلال، فلا يكون صريحا في المراد ويبقى لنا الأصل سالما وهو الطهارة في السباع كلها إلا الكلب، ولأن المتقرر في الحيوانات برية كانت أو بحرية الحل والإباحة والطهارة إلا بمقتضى الدليل، والسباع من حيوانات البر التي تدخل نحو هذا الأصل، ومن أخرجها منه فإنه مطالب بالدليل ولا يقال:- أليست الأحاديث الصحيحة قد نهت عن أكل لحومه وافتراش جلودها والركوب عليها؟ فأقول:- نعم، وأنا أقول بذلك كله، إلا أن المتقرر في القواعد أن التحريم لا يستلزم النجاسة، أي أن دليل التحريم يستفاد منه تحريم هذا الشيء فقط وأما وصفه بأنه نجس، فإنه وصف زائد على مجرد التحريم، لا بد فيه من دليل آخر،

فقه الدليل والتعليل والتأصيل · الصفحة ١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الدليل والتعليل والتأصيلص ١٩٩