المتقرر أن كل قياس صادم النص فإنه فاسد الاعتبار، وأما قولنا (ولا بد أن تحبس) فبرهان ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يحبس الدجاجة ثلاثا. وهو أثر صحيح، إلا أن الدجاجة حيوان صغير قد تكون الأيام الثلاثة فيه كافية، وأما ما فوقها فإنه قد يحتاج إلى مدة أطول، ولذلك قلنا (الأمر مبني على غلبة الظن) لأن المتقرر عندنا أن غلبة الظن كافية في العمل، والله أعلم.
مسألة:- واختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في ما لا نفس له سائلة، وهو الحيوان الذي لا دم له يجري، كالذباب والنحل والبق ونحو ذلك على أقوال، والأقرب منها أنه طاهر، وبرهان ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه, فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء)) رواه البخاري، ولأحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مثله، وإسناد الحديث الثاني حسن، فالأمر بغمسه في الطعام بعد سقوطه يقتضي أنه سيموت، لا سيما إن كان الطعام حارا، فلو كان ينجس لما أمر بذلك لأنه لا يزيد الطعام والشراب إلا فسادا، لكن لما أمر بذلك علمنا أن ميتته طاهرة، فإن كان طاهرا حال موته فكيف بالحال في حال حياته؟ لا جرم أنه طاهر من باب أولى، ولأن الله تعالى قال في النحل ? يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ ? ومن المعلوم أن عسلها لا يخلو في الغالب من نحل ميت فيه أو أفراخ نحل فيه ميتة، ومع ذلك أجاز استعماله، ومدحه بأن فيه شفاء للناس، أفاده الجصاص رحمه الله تعالى، ولأن الدين مبني على التيسير ورفع الحرج, فلو كانت هذه الأشياء نجسة، لعسر الأمر لكثرتها ولمشقة التحرز منها، فالحكم بأنها طاهرة، من نعم الله تعالى والتي لا بد أن تشكر، ولأن هذه الأشياء وما أشبهها لا دم فيها، أي ليس فيها ثمة دم سائل يحتبس فيه عند موتها فينجسها، لأن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها، وأما الذباب وما أشبهه فإنه لا دم فيه سائل، فحيث انتفت العلة في التنجيس فإن الحكم ينتفي، لأن المتقرر أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما والله أعلم.