وسلم أنه أمر بغسله، مما يفيدك أنه طاهر، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وكل حديث فيه التصريح بالأمر بغسل المني فهو ضعيف لا يصح، ولا يقال:- إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غسله، لأننا سنقول:- إن هذا حكاية فعل، والمتقرر أن حكاية الأفعال لا ترتقي إلى الوجوب، وإنما تفيد الندب فقط ولأنه غسل بلا أمر بالغسل، والمتقرر أن كل عين أمر الشارع بغسلها فلقيام مانع فيها من حدث أو نجاسة، وما غسله ولم يأمر بغسله فلا، أي لا يدل على وجود المانع فالقول الصحيح والرأي الراجح المليح هو أن المني طاهر، فإن كان لا يزال رطبا فيكفي فيه الغسل، وإن كان يابساً فيكفي فيه الحك، أو الفرك، أو الحت، كل جائز مجزئ، قال المجد في المنتقى بعد روايته لأحاديث المني (فقد بان من مجموع النصوص جواز الأمرين) أي الغسل والفرك، والله أعلم.
مسألة:- لقد تقدم لنا في القاعدة الثانية عشرة أن الريق والعرق والمني من الحيوان له حكم ذاته، فما كان طاهرا في الحياة فإن عرقه وريقه ومنيه طاهر، وما لا فلا، وعلى ذلك عدة فروع الأول:- الإنسان، ذاته طاهرة، وبناء على طهارة ذاته فإن عرقه وريقه ومنيه طاهر، وذلك تبع لطهارة ذاته، الثاني:- لعاب الكلب والخنزير، فإن مما لا شك فيه أن الكلب والخنزير نجسان، أي أن ذاتيهما نجسة، وبناء على ذلك فإن ريقهما وعرقهما ومنيهما كل ذلك يحكم عليه بأنه من النجاسات، الثالث:- الحمار الأهلي، فإنه نجس، كما سيأتي دليله، وعليه:- فإن عرقه وريقه ومنيه نجس، إلا أن الحمار الأهلي مما يتكرر ركوبه ويشق التحرز منه، فعفي عن نجاسة ريقه وعرقه لمشقة التحرز منه، لأن المشقة تجلب التيسير، ولأن الأمر إن ضاق اتسع، ولأن كل فعل في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسر، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار والبغل، ويقطع بها المسافات البعيدة، ومن المعلوم أنه لا بد أن يصيبه من عرقها وكذلك كان يفعل جملة من أصحابه، ومع ذلك فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتحرز من عرقها ولا كان يغسل ثيابه بعد ركوبها، ولا أمر بذلك أحدا من أصحابه مما يدل على أن الشارع عفا عن ريقها