تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ... الآية ? ووجه الاستشهاد منها أمران , أحدهما:- أن الله تعالى قد أحل لنا طعام أهل الكتاب، ومن المعلوم أن طعامهم لا بد وأن تمسه أيديهم، فلما أباحه لنا مع أنه لا بد من ذلك دل هذا على أن أبدانهم طاهرة، والوجه الآخر:- أنه أباح لنا نكاح نسائهم العفيفات، فالإحصان هنا بمعنى العفة، ومن المعلوم أنها كافرة مشركة، وزوجها لا بد أن يطأها ويباشرها ويأكل مما تطبخه بيدها، ويصيبه شيء من لعابها أو عرقها حال الجماع، ومع ذلك كله أجاز نكاحها ولم يأمر بالتحفظ منها أو غسل ما أصاب الزوج من بدنها، كل ذلك مما يفيدك أنها طاهرة، مع أنها كافرة، وهذا واضح، ومن الأدلة أيضا:- أن الوفود كانت تأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل عليه المسجد، وتسلم بين يديه, وبعضهم لا يسلم، ومع ذلك لم يكن النبي صلى الله عليم وسلم يمنعهم من الدخول، مع أن المساجد لا بد وأن تصان عن إدخال النجاسة فيها، فلما كان يأذن لهم ولا يأمر بغسل ما أصاب أرض المسجد من أبدانهم أفاد ذلك أن أبدانهم طاهرة، وإنما النجاسة في الباطن، وهي نجاسة الاعتقاد، ومن الأدلة أيضا:- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جيء له بثمامة بن أثال، وهو مشرك كافر، ربطه في سارية من سواري المسجد، مع أنه مشرك، وربطه كان في المسجد، مما يفيد أن بدنه كان طاهرا، إذ لو كان نجسا لنزه عنه المسجد، وربطه في مكان آخر، وهذا واضح، ومن الأدلة أيضا:- أن يهوديا أضاف النبي صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه، رواه أحمد. وهذه الإهالة والودك قد لا مسته لزاما يد مشرك، ومع ذلك فقد أكل منه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قد أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة التي طبختها له اليهودية - أعني الشاة التي أكل منها وهي مسمومة - والحديث في البخاري وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه توضأ هو وأصحابه من مزادة مشركة، والحديث في الصحيحين، وفي صحيح مسلم أن عبدالله بن المغفل رضي الله عنه أصاب جرابا من شحم يوم خيبر فقال:- لا أعطي اليوم من هذا أحدا، قال:- فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما، وهذا إقرار له على فعله، مع أن الجراب كان من

فقه الدليل والتعليل والتأصيل · الصفحة ١٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الدليل والتعليل والتأصيلص ١٩٢