مسألة:- واختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى فيمن عدم الماء في أول الوقت، ولكنه يرجوه في آخر الوقت، فما الأفضل في حقه؟ أن يصلي أول الوقت بالتيمم، أو يؤخر الصلاة آخر الوقت فيصليها بالطهارة المائية؟ فيه خلاف، والراجح عندي والله أعلم أنه يصلي في أول الوقت بالتيمم، وذلك لأن المتقرر شرعا أن التيمم هو طهارة من فقد الماء، وهو رافع في الأصح، فإن تيمم أول الوقت وصلى فقد أدرك فضيلتين، الطهارة الشرعية في حقه - وهي التيمم - والصلاة في أول وقتها، وأما مع التأخير فإنه لا يدرك إلا فضيلة واحدة، ولأن الصلاة في أول وقتها بالتيمم فيه مراعاة لفضيلة الوقت وتأخيرها إلى آخر وقتها فيه مراعاة لفضيلة الطهارة، فهنا تعارض مصلحتان، والمتقرر أنه إن تعارض مصلحتان فإنه يراعى أعلاهما بتفويت أدناهما، والمصلحة الكبرى هنا هي مراعاة فضيلة الوقت، ولأن أول الوقت إن فات فإنه لا بدل له، وأما الطهارة المائية إن فاتت فلها بدل صحيح، وهو التيمم، والمتقرر أن مراعاة ما لا بدل له أولى من مراعاة ما له بدل صحيح، ولأن الأدلة الدالة على تفضيل الصلاة في أول الوقت وردت عامة ومطلقة، ولم تقيد بمتطهر بالماء ولا بمتيمم بالتراب، وقد تقرر أن الأصل وجوب بقاء العام على عمومه ولا يخص إلا بدليل، والأصل وجول بقاء المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل، فهذه الأدلة يخاطب بها من هو متطهر بالماء، ومن هو متطهر بالتيمم، ومن أخرج المتيمم من هذا العموم فإنه مطالب بالدليل الدال على ذلك لأنه مخالف للأصل، والمتقرر أن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل, والأصل أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه، ولأنه ثبت بالسند الصحيح عن ابن عمر أنه تيمم وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، وهو فعل صحابي والمتقرر أن مذهب الصحابي حجة ما لم يخالف نصا، ولم يخالفه صحابي آخر، ولأن التيمم في أول الوقت مع عدم الماء من الرخص الشرعية المقررة بالدليل الصحيح فالأخذ بها مما يحبه الله تعالى لأنه جل وعلا يحب أن تؤتى رخصه كما يكره ويبغض أن تؤتى معصيته، ولأن العبد مأمور بأن
فقه الدليل والتعليل والتأصيل · الصفحة ١٦٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فقه الدليل والتعليل والتأصيلص ١٦٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي