وسلم فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال ((إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا)) فضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، فمسح بهما وجهه وكفيه. متفق عليه، وهذه الأحاديث نص في محل النزاع، وقد تقرر أن كل محل تشرع فيه الطهارة المائية فإنه تشرع فيه الطهارة الترابية عند فقدها، والمتقرر أن التيمم بدل عن طهارة الماء في كل ما هو من خصائصها، وأما ما ذهب له بعض الصحابة فإنه لا حجة فيه لأنه لا قول لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم , ولأن المتقرر أن مذهب الصحابي ليس بحجة بالاتفاق إن خالفه النص، وقد قيل إن عمر رجع عن قوله، ولا ندري عن حال ابن مسعود، لأن المعروف عنه أنه كان يرى أن التيمم لا يشرع عند الجنابة، ولا عبرة بقول خالف النص عنه صلى الله عليه وسلم والله اعلم.
مسألة:- واختلف أهل العلم في التيمم للبرد، أي أن بكون البرد شديدا فهل يسوغ التيمم بسبب ذلك؟ على أقوال، والراجح منها، نعم، يسوغ له ذلك، بالدليل الأثري والنظري، فأما الأثري فلحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه كان في غزوة ذات السلاسل، وكان هو الأمير، قال:- فاحتلمت في ليلة بارة شديدة فخفت الهلاك إن أنا اغتسلت، فتيممت , وصليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك فقال ((يا عمرو، أصليت بأصحابك وأنت جنب؟)) فقلت:- ذكرت قول الله تعالى ? وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ? فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وسكت ولم يقل شيئا. حديث صحيح والمتقرر أن إقراره صلى الله عليه وسلم حجة على الجواز، وقد تقرر أنه لا واجب مع العجز، وتقرر أن مراعاة حفظ النفس أولى، وتقرر أن كل فعل في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسر، أي أن المشقة تجلب التيسير، وتقرر أن لا ضرر ولا ضرار، وتقرر أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والله أعلم.