سَب الإله فإن الناس أحراراً
ويشترط في المغير شروط أخرى، منها ما سبقت الإشارة إليه تحقق العلم بنكارة ما يريد إنكاره، عند جمهور العلماء، فإن لم يتحقق، وعلم أنَّ فيه اختلافاً، ممن يوثق باختلافهم، ويعتد به، فإنه لا يجب عليه التغيير، بل يكتفي بالدعوة إلى ما هو الأسمى والأرجح، مبيناً لمن شاء وجه رجحان ما يدعو إليه.
ويشترط فيه العلم بطرائق التغيير، وأحكامها، وآدابها، ومن جهل شيئاً من هذا وجب عليه أن يسعى إلى من يعلمه، ثم يقوم بالتغيير، ولا يستكين إلى أنه لا يعلم، فعليه أن يغير جهله بذلك، إلى العلم به، متى كان في قومه من يعلمه، وقد تيسر العلم في زماننا لمن شاء.
ويشترط في المغير أيضاً، أن يكون قادراً على التغيير، فإن عجز عن طريق، انتقل إلى ما دونه وسعى إلى أن يرفع عن نفسه أسباب عجزه، عن القيام بالطريق الأعلى. فإن المسلم لا يليق به أن يرضى بالدنية، فيما يتعلق بشؤون دينه وآخرته، وليكن حرصه على الأعلى في هذا، لا يقل عن حرصه عليه في شؤون دنياه.
ولا يشترط في المغير أن يتيقن أن تغييره المنكر مفض إلى أثر، فيمن يغير منكره، فليس عليه أن ينظر تقبل وعظه، أو الاستجابة لأمره ونهيه، فإن الله عز وعلا ما كلفنا أن يكون لدعوتنا أثر في الآخرين: (فإن أَعْرضُوا َفمَا أَرْسَلنَاكَ عَلَيهمْ حفيِظاً إن عَلَيْك إلاّ البَلاغ ُ) (الشورى: 48).
وقد كان النبي في الأمم الغابرة، يقيم في قومه، فلا يستجيبُ له إلا قليل، أولا يستجيب له أحد. ((عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عُرضت عليَّ الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد)) (36).
بيان الواقع في المنكر: شروطه وأحواله
لما كان التغيير، إنما هو واقع على منكر محقق، يقوم به واحد من الناس، فإنَّ ذلك الواقع في هذا المنكر لا يشترط لتغييره أن يكون مكلفاً (عاقلاً، بالغاً)، بل كل منكر يقع من أحد، يكون ذلك الفعل منكراً في حقه، أو حق من هو مثله ممن ليس له فيه رخصة، فإنه يجب تغييره.
المجنون يمنع من إتلاف ماله، أو مال غيره، وكذلك الصبي، وإن كان كلاهما غير مكلف.
والكافر البالغ العاقل، يرجع تغيير منكره الواقع منه، إلى نوع ذلك المنكر ومحله.
إن كان منكره مما ليس منكراً في دينه، ولا يتعلق به حق مسلم، فلا يجب على أحد تغيير هذا المنكر، لأن كفره هو نفسه أعلى المنكرات، ولا يجب على أحد أن يمنعه منه، بل ولا يصلح لأحد أن يكرهه على تركه.
وإن كان منكره مما هو منكر في دينه ـ أيضاً ـ وإن تعلق به حق غير مسلم فلا يجب على أحد أن يغيره، إلا إذا تحاكم إلينا، فيحمل على ما يحكم به الإسلام الذي احتكم إليه.