وقال الجصَّاص في ((أحكام القرآن)): المنكر هو ما نهى الله عنه.
وقال الألوسي: المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع.
وقال علي القاري: المنكر ما أنكره الشرع وكرهه ولم يرض به.
وقال الراغب الأصفهاني: ((المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة)).
والذي نذهب إليه أن ((المنكر)) الذي يجب على الأمة تغييره، هو ما خالف الشرع كتاباً وسنة مخالفة قاطعة.
وسواء في هذا، أن تكون المخالفة لما أمر به الشرع إيجاباً أو لما نهى عنه تحريماً، وسواء كانت المخالفة تركاً بالكلية، لما أمر به الشرع أو زيادة عليه بغير نص، أو نقصاً منه بغير عذر، أو تغييراً فيه، أو تبديلاً في ذاته، أو فيما يتعلق به زماناً أو مكاناً أو كيفية أو وسيلة. فكل مغايرة ذاتية أو عريضة فيما أمر به الشرع هي منكر، ومثل ذلك تماماً المخالفة بالفعل لما نهى عنه، مخالفة كلية أو غير كلية 000 إلخ.
وسواء في هذا ـ أيضاً ـ أن يكون الأمر أو النهي تصريحاً، أو تلويحاً، تفصيلاً أو إجمالاً.
تلك حقيقة المنكر الذي يجب على الأمة تغييره، وهو يشترط فيه شروط أهمها: *أن يكون المنكر متفقاً على إنكاره (4) لثبوته بالكتاب أو السنة، بحيث لا يكون إنكاره محل خلاف بين أهل العلم الموثوق بهم من ذوي الاختصاص والتقوى فإن كان محل اجتهاد واختلاف، فليس مما يجب على الأمة تغييره، بل يكون لمن ذهب إلى أنه منكر على الراجح عنده وأن يدعو إلى تركه من باب النصيحة إلى ما هو الأعلى والأليق بالمسلم.
وغير قليل من أحكام الشريعة المستمدة من الكتاب والسنة بغير طريق العبارة والمنطوق، هو مناط اختلاف بين أهل العلم.
وكل ما أدى إلى منكر محقق هو نفسه منكر، يجب تغييره، فمن تيقن أن هذا العنب لا يزرع إلا ليصنع خمراً، كانت زراعة العنب بهذا الغرض منكراً فوجب تغييره، ومن تعلم الطب ليؤذي المسلمين، أو يكشف عورات نسائهم، كان تعلمه الطب منكراً، يجب تغييره 000 إلخ
وتحقيق هذا الشرط من الأمور المهمة، التي قد يتساهل فيها بعض الناس، فإن تحقيقه على الوجه الصحيح، لا يكون إلاّ ممن جمع بين العلم والحكمة، إذ العلم يحقق له الوقوف على وجوه الدلالة في النصوص، ووجوه اصطفاءات الأئمة، والوقوف على دقائق العلم.
والحكمة تحقق له سعة الأفق، ونفاذ البصيرة، إلى عقبى الأحداث، فلا يغتر برأي فطير، عليه مسحة من زخرف القول، أو وهج الحماسة، واندفاع الشبيبة، بل يكون له من الحكمة والروية، ما يجعله يقف على حقائق الأشياء.