في بداية التديُّن، وهي مرحلة لاحقة عن مرحلة القراءة، وأحببت كتب ابن القيم، كنت أجدها في المساجد مبثوثة، وفي بيوت بعض الناس لأنها كتب رقائق، فكان دائمًا الشيخ ابن القيم يقول: "قال شيخنا، هذا رأي شيخنا .. "، إلى آخره؛ فبدأت أبحث حتى تولَّدت لدي قراءات أخرى.
فلا يكفي أن تسمع فقط، لا بد أن تسمع رأي المخالف، وهذه القاعدة الأساسية لِمَا سمّيته لكم بـ"القراءة الجدلية"؛ لأنها قراءة تُنشئ قراءة، وهذه القراءة قد تكون قراءة موافقة، قد تكون شارحة، مخصصة، وقد تكون ناقضة.
وهنا ندخل إلى قضية مهمة، إلى قضية الجدل في التاريخ الإسلامي، وأول كتاب جدلي بالمفهوم العلمي هو القرآن؛ قد قال لنا حجج المخالفين ورد عليها، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، قد ذكر لنا إمام المجادِلين بالحق ضد الباطل وهو إمام الحنفاء إبراهيم -عليه السلام- كيف ناظر قومه، وكيف ناظر النمرود، إلى آخره، وهكذا موسى-عليه السلام- ناظر فرعون، والأنبياء ناظروا أقوامهم، والنبي-صلى الله عليه وسلم- ناظر.
فالجدل علم عظيم لتنوير الحق وتنوير العقل، لا بد أن تقرأ، وتقرأ ما يقال، وبضدها تتميز الأشياء، والحق لا يُعرف كماله إلا بعرضه أمام الباطل، فإذا أردت أن تعرف بياض البياض فقارنه بالسواد، والحق لا يُعرف بكماله الذي يتجلَّى فيه الحق في أجلى صوره وأجملها، بل لا يُعرف إلا بعرضه إمام الباطل.
ولذلك لا تخافوا من القراءة التي تتكلم عن الإسلام، ولكن لا بد أن يكون عند الناظر التمييز بين السواد والبياض، أما الأعمى لا يميز، والذي أنفه مسدود لا يستطيع أن يميز بين الرائحة الخبيثة والرائحة الطيبة.
أما علم الجدل لعرض الباطل وقذفه بالحق؛ فهذا هو دين النبي-صلى الله عليه وسلم-، هذا هو دين الله، ولا تخافوا منه.
وفي تاريخنا كان هناك أئمة لـ"الجدل المهتدي"، كما سميته في مقدمة كتاب (كسر الصنم للبرقعي)، هذا الرجل الذي خرج من دين التشيع -في أوسخ وأقذر درجاته- إلى الهدى، لم يدخل السنة كاملة، لكنه خرج من التشيع وهذا كافٍ بالنسبة للرجل وهو في بيئته؛ خرج من التشيع في السبعين من عمره وكتب، وسميت مناظرته بـ"الجدل المُهتدي"؛ لأن هناك من يجادل بالباطل، وجدل الباطل لا قيمة له، جدل الحق هو الذي نطلبه ونسعى إليه ونتعلمه، ولذلك لا بد أن نقرأ الكتب التي فيها هذا الجدل، من ذلك كُتب شيخ الإسلام ابن تيمية، هذه كتبة جدلية عظيمة، وكتب الباقلاني، ولا يوجد في تاريخ الإسلام أقوى من هذا الرجل في الجدل المهتدي، ومع أنه كان متكلمًا؛ إلا أن الدارقطني -وهو إمام حديثيّ سُنيّ- كان إذا قابله قبَّل يديه؛ لقوته في رد كلام الزنادقة والباطنية والنصارى وغيرهم.