تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهل الحديث معيار علم الرجل عندهم هو "باب العلل"؛ أي المسائل الخفية في الحديث الذي لا تُسبر بالظاهر بل لا بدّ من الإبحار في جوها الباطن، وهو الذي سماه أهل هذا العلم بـ"السحر" أو "الكهانة"؛ لأنه مجهول خفي للمتلمِّس في شُطآن العلم أو الواقف على حروفه، معلوم مُدرَك بوضوح عند أهل الغوص في الُّلجج وقاموس البحار.

أبو زكريا الفراء إمام أهل النحو في عصره -وقد لُقّب بأمير المؤمنين في النحو- شنَّ عليه معاصروه الحروب لأنه أراد تسهيل النحو حتى يكاد أن يصبح ألعوبة بين الصبيان، وهم يأنفون أن يصبح العلم بهذا المستوى -أنا لا أُبرِّر فعلهم ولكن أُفسِّر هنا فقط-، فهم كانوا على وعي كامل أن الجواهر لا تُقلَّد للخنازير كما أوصى عيسى -عليه السلام-، وهذا عندهم من الغيرة على الجمال والدرر.

فهم لم يكتبوا المقدمات لكتبهم إلا ما ندر، كما فعل الإمام مسلم في صحيحه وبعض القليل من فعل الطبري في تاريخه، وبالتالي لم يشرحوا مناهجهم ولا طرائقهم في البحث؛ لأن كتبهم لأهل الصَّنعة الخبراء، ولا يُقدِم على التصنيف إلا المبحرون هناك بعيدًا في الفرادة والتميز.

هذا الكلام لا نقوله دخانًا لستر شيء قليل، ولا من أجل تقليدهم في صنيعهم ومناهجهم في التصنيف، إنما لأنه الحقيقة، ولإيقاف هذا السَّفه الذي تمارسه طائفتان: أعداء التراث والعاملون فيه بجهل مع حسن نية، وهؤلاء دائمًا في المواجهة ضد العلم. وحتى تقرأ كتب الأقدمين من خلال أبوابها في زمن يقفز الناس فيه إلى البيوت من السقف بعد تخريبه.

إن علة عدم إدراك مقاصد المؤلفين توقع في التقليد القبيح كما شكى ابن خلدون في مقدمته من متأخري المؤرخين، حيث بين في بداية (المقدمة) أن ما يصنعه هؤلاء المتأخرون من تقليد الأقدمين في ذكر اسم الخليفة ونسائه وخاتمه إنما حملهم عليه: "التقليد والغفلة عن مقاصد المؤلفين الأقدمين".

وفي زماننا هذا يقوم مصنف بجمع الأحاديث المسندة في طبقات ابن سعد ويضعها في كتاب يسميه مثلًا (سنن ابن سعد) أو طائرًا في زمان الفخر: (الجامع المسند من سنن رسول الله وسيرته وأيامه)، ثم يقدِّم لنا مقدمة كالسّياط جلدًا أن علم تصنيف السنن والمعاجم والمصنفات صار علمًا مجهولًا وخاصة في أسرار الأبواب وألفاظها، ناسيًا هذا المتبجح أن يُعلِّم نفسه طرائق أهل العلم ومناهجهم في تصنيف السنن؛ فلا يدري معنى الاختيار والانتخاب، ولا معنى ذكر حديث دون غيره في المصنف، وبالتالي هو الذي يستحق الدخول في وصف ابن خلدون: "التقليد والغفلة".

وإن الغفلة عن مقاصد المؤلفين ومناهجهم هي التي أوقعت الشيخ الألباني في فاقرة من الفواقر، وهي تجريد السنن الأربعة من أسانيدها وتقسيمها إلى صحيح وضعيف، فإن فعله هذا ليس من العلم

فن القراءة · الصفحة ١٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن القراءةص ١٤٢