تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدنيا وحفظ لهم الثواب الأكبر في حسن ثواب الآخرة. وهكذا كان للفتح الإسلامي في العصر الأموي رجاله وقادته، وكان للعصر العباسي مجاهديه ورجاله، وكان للحروب الصليبية رجالها الأوفياء وجندها المؤمنين، وجاء العصر العثماني فحمل دفقة جديدة من الغزاة المجاهدين، وعرف المسلمون في هذه العهود والعصور أيامة رائعة، وعاشوا ليال قائمة السواد. فلا الانتصارات حملتهم على التقصير والتقاعس، ولا الهزائم نالت من عزيمتهم أو أضعفت من إرادتهم. وبقيت حياة المسلمين في كافة العهود والعصور نوبة بين الانتصارات والكوارث، ولم يكن ذلك بالأمر المباغت أو الجديد لمن آمن بقوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (*)

ولكن الغريب في الأمر هو أن الذين جرفتهم الردة في تياراتها وغربتهم أو شرقتهم صاروا يستنكرون حتى كلمة (الجهاد) التي استبدلت بدورها مصطلحات أخرى و كان هذا الاستبدال موضوعية في واقع الأمر، فالجهاد هو في سبيل الله وأما ما سوى ذلك من عمل فهو لغير الله. ولهذا فها أن تنطلق كلمة (الجهاد) في عصر بات فيه الجهاد في سبيل الله هو المخرج الوحيد للأمة الإسلامية بعد أن ضيقت عليها السبل، وسدت في وجهها المنافذ، حتى تجد أمثال هؤلاء - الذين جرفتهم الردة - ينظرون إلى ما حولهم نظر المغشي عليه، إذ يستفيقون فجأة ليجدوا أنه لازال في بلاد الإسلام، وفي وسط حكامها وملوكها وأمرائها ورؤسائها من لم يجرفه تبار الردة، وانه لازال لكلمة (الجهاد في سبيل الله) صداها العميق في القلوب والنفوس. وإن محاولات إسقاط مفهوم (الجهاد في سبيل الله) وتجاوز فرضه هو أيضا في جملة أهداف الحملة الصليبية الجديدة التي تسمح باستخدام كافة المصطلحات للتعبير عن أشكال الصراع المسلح وأنواعه، إلا تعبير (الجهاد) الذي يعيد الأمة الإسلامية الى نهجها الصحيح

وبعد، فإن (فن الحرب في العصر العثماني) ليس إلا امتدادا لفن الحرب الإسلامي الذي ارتبط بظهور الإسلام، وتطور عبر العهود المتتالية إلى أن تسلمه العثمانيون.

(*) آل عمران، الآية: 143.

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣٢٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣٢٣٩