تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13 - البداية الرائعة والنهاية المأساة.

طوى التاريخ صفحة الدولة العثمانية - العلية .. وفي العثمانيون مثلهم كمثل من سبقهم من الأقوام التي عاشت على أرض الدنيا، ثم أصبحت مجرد عبرة وذکري، وقصص تروي، لمن أراد أن يتذكر أو تنفعه الذكرى، وإن في الذكرى العبرة لأولي النهى والحجي. لقد عاشت الدولة العثمانية على أرض الدنيا ستة قرون من عمر الزمن، وأسدل ستار كثيف على ذكراها وكأنها لم تعمر أكثر من يوم أو بعض يوم. وليس ذلك فحسب، بل إن هذه الذكرى قد شوهت وبترت ومزقت شر ممزق، ثم وئدت، حتى تضيع معالمها، وحتي تسجل جريمة قتلها ووأدها ضد (مجهول). فهل ضاعت معالم الجريمة الوحشية، وذهب دم الضحية هدرة؟ ولكن لماذا يخاف المجرم من جريمته طالما أنه لم ينهض أحد من الورثة للمطالبة بالثأر؟ وما الخوف من شهيد تنكر له حتى أهله، فابتعدوا عنه وهم يخشون حتى من الالتفات إليه لالقاء نظرة وداع؟ ولماذا الخوف، ولم يتبرع أحد من أقارب الشهيد وأهله لتأبينه أو إلقاء باقة من الورد عسى أن تحمل للشهيد بعضا من الرحمة والعزاء؟ وهل كان الموؤود على درجة من السوء والشر حتى تبرأ الجميع من قرابته ونسابته؟

لقد عرفت الدولة العثمانية من المجد ومن العز والسؤدد، في ميادين الحروب، ما لا يمكن دفن راياته أو حجب ألقه وبريقه، مهما تراكم فوقه من غبار الزمن. فتلك هي فارنا ونيقوبوليس وصوفيا وبوخارست وبلغراد و تيرانا (عاصمة ألبانيا). وتلك هي ضفاف الدانوب ووهاد جبال البلقان، وتلك الجزر أيضا من قبرص إلى رودس إلى سواها، جميعها تشهد بعظمة ذلك المجاهد - الغازي - الذي امتشق حسامه ومضى للحرب بكل ما تتضمنه كلمة الحرب من الشدة والبأس. وتلك هي أيضا منارات مساجد الإسلام في كل مكان من أوروبا إلى آسيا إلى بلاد العرب في الشام ومصر

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣٢٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣٢٣٣