جديدة للتعايش، فإن هذا العامل لم يكن معزولا في حال من الأحوال عن القاعدة الدينية، وعن بقية العوامل الداعمة لهذا الاتجاه (الوحدوي). وكذلك الأمر بالنسبة للتجمعات البشرية التي تحاول تحقيقها الدول المختلفة لتأمين التعايش فيما بينها من خلال المنافع المتبادلة والمصلحة المشتركة والمصير المشترك (مثل منظمة الشعوب الأفريقية) و (منظمة دول عدم الانحياز) والتي ما ظهرت إلا في ظروف سياسية وزمنية معينة، ولم تحقق في كل الأحوال حتى ولو بعضا مما تطمح لتحقيقه من متطلبات شعوبها وجماهيرها، بسبب تناقض أهدافها مع مصالح الدول العظمى التي تعمل بجهد كبير لاحباط كل جهد يلحق الضرر بمصالحها وأهدافها.
كذلك الأمر بالنسبة للرابطة الاشتراكية. إذ على الرغم من رفع رابطتها إلى مرتبة الديانة، حتى تصبح فوق مستوى القوميات، وحتى يمكن ربط جميع القوميات بمذهبية واحدة بحيث أطلق كثير من المؤلفين والباحثين على هذه المذهبية اسم (الدين الجديد الذي حل محل الرابطة الدينية الأرثوذكسية التي كانت تدين بها روسيا القيصرية). فالمعروف أن هذه الرابطة قد فرضت على أوروبا الشرقية فرضا، بحكم ظروف الحرب العالمية الثانية، ووفقا لمقررات التقسيم التي رسمت في مؤتمر بالطا. كما أن هذه المذهبية - أو الدين الجديد - لم تمنع من ظهور انقسامات واضحة ومعروفة بين الدولتين الاشتراكيتين الكبيرتين: الاتحاد السوفييتي وجمهورية الصين الشعبية، بالإضافة إلى الانقسامات الثانوية - ذات النزعات الاستقلالية - مثل البانيا ويوغوسلافيا ورومانيا -، وإذن فإن الدعاة لهذه الرابطة بقعون في تناقض مع أنفسهم، إذ بينها يتنكرون للرابطة الدينية، باعتبارها من تراث الماضي ومخلفاته الرجعية، تراهم يقدسون الرابطة التي رفعوها إلى مرتبة الدين. رغم أن هذا الدين وضعي وذاك سماوي. هذا من صنع البشر وذاك تنزيل من رب البشر، وسبحان الله عما يشركون. وقد لا تكون بعد ذاك حاجة للتأكيد على أن الرابطة الدينية هي الرابطة التي تشمل جميع تلك الروابط الثانوية - بمقاييس أهل الدنيا - كمقياس المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة والآمال المشتركة، والمصير المشترك. ولقد عرف العرب المسلمون ذلك بحكم تجربتهم التاريخية على امتداد أربعة عشر قرنا من عمر الزمن. وجاء كل حدث من أحداث