تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على هذا لو لم يضهر مصطفي کمال الضهر غيره باسم آخر، فقد كان المناخ مهيئة لاثبات (بذور الشر) ولا ريب أن مراكز القوى في الدول العضمى قد عجمت عيدان الطامعين بالجاه والسلطان من بين أعضاء الجمعيات المرتبطين بمراكزهم، ووضعتهم تحت الاختبار الطويل، وأعدت لهم الظروف المناسبة، فسقط من سقط منهم في الاختبار، وفاز من فاز. ولقد أكد مصطفي کمال سادته أنه أشد العيدان صلابة، وأكثرها إدراك لدوره، وأكثرها انسجامة، مع مخططات الدول الصليبية وأوفرها إخلاصا لها فتم منحه الثقة للانطلاق حتى نهاية الشوط، مع دعمه وتوجيهه بصورة مستمرة حتى لا يخرج عن المسار المحدد له.

وهنا أيضا، لقد كان من المحال على (مصطفي کمال القيام بدوره وهو وحيد على مسرح الأحداث، وقد كان من المحال تكوين الجهاز القادر على المضي معه بمثل تلك السرعة، وفي خضم الأحداث المتلاطم والحافل بجميع أنواع المفارقات والتناقضات. ويظهر ذلك فضل الدول العظمي - وبريطانيا العظمي خاصة - في اصطناع الجهاز الضخم الذي عمل مع مصطفي کمال وساعده على المضي نحو الهدف. ولقد أظهرت مسيرة الأحداث أن هذا الجهاز لم يكن منسجما ولا متكاملا، مما أدى إلى ظهور الصراعات وتفجرها منذ بداية المسيرة. فكان ذلك اختبارا لمن يستطيع مواكبة مصطفي کمال حتى نهاية المضمار، ومن يجب إسقاطه عند كل مرحلة من مراحل المسيرة، وعلى كل حال، فإن تجربة مصطفي کمال قد جاءت بعد مجموعة من التجارب المتطاولة والمستمرة، بدأت على تخوم الدولة العثمانية، وانتهت في قلب الأناضول، فقد عملت الدول العظمى على امتداد الصفحة الزمنية للقرن التاسع عشر - بصورة خاصة - على اصطناع الأنظمة واصطناع القادة، واصطناع الثورات، وتنظيم الحركات السرية وأعمال المقاومة، على امتداد صفحة أوروبا الوسطى، و كانت الحرب اليونانية، ثم الحرب في بلاد الصرب والجبل الأسود (مونتينيغرو) هي أكثر تجارب الحروب وضوحة وأكثرها إتقانة وإحكامة. غير أن أخطر تجربة استهدفت ضرب الدولة العثمانية من الداخل - هي تجربة محمد علي باشا الألباني - حاكم مصر - فقد عملت كافة الدول العظمى على دعم (محمد علي) ورعايته، وتوجيهه، وحاول محمد على الاستجابة

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٣١٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٣١٧٢