القوة الفرنسية (الجنرال دوبول) أصر على إرسال قوة من ألف وخمسمائة جندي إلى الجبل بحجة إعادة الموارنة إلى قراهم، وحمايتهم من اعتداءات الدروز.
انعقدت خلال ذلك في مدينة بيروت لجنة أوروبية مشكلة من مندوبين معتمدين من قبل الدول الموقعة على معاهدة باريس. واتفق المندوبون بعد مداولات طويلة مع (فؤاد باشا) على أن يعطى للمسيحيين الذين حرقت دررهم مبلغ خمسة وسبعين مليون قرش (750 ألف ليرة ذهبية) باسم تعريف. وأن يمنح أهالي الجبل حكومة مستقلة تحت سيادة الدولة العثمانية، يكون حاكمها مسيحي المذهب. وأن يكون للدولة العثمانية حامية من ثلثمائة جندي في حصن على الطريق الموصل من دمشق إلى بيروت. واتفق المندوبون أيضا. وبالاجماع - على تعيين رجل أرمني (اسمه داود أفندي) ليعمل أميرة للجبل لمدة ثلاث سنوات، وألا يتم عزله إلا بعد الحصول على موافقة الدول. وبذلك تمت تسوية المسألة على حساب هيبة الدولة العثمانية و كرامتها ..
لم يبق للقوات الفرنسية ما تعمله، وهي لم يكن لها في الأصل ما تعمله، وبالرغم من ذلك فقد تمهلت فرنسا في سحب قواتها حتى 27 ذي القعدة سنة 1277 ه. (1 حزيران - يونير - سنة 1841 م)، حيث رجعت القوات الفرنسية إلى بلادها، غير أن فرنسا حاولت قبل الجلاء اقناع مسيحي الشام بأنها ضمنت حمايتهم من عدوان - المسلمين المتعصبين المتوحشين ..
توفي السلطان عبد المجيد بعد انسحاب الفرنسيين من بيروت بمدة عشرين يوما. وخلفه السلطان عبد العزيز) (*) فأقر الوزراء في مناصبهم، ومضى على نهج أسلافه الذين حاولوا اخراج الدولة العثمانية من مأزقها الذي زجتها فيه الصليبية الحاقدة.
(*) السلطان الغازي عبد العزيز خان - ابن السلطان محمود الثاني (1245 - 1293 ه = 1830. 1871 م) تولى السلطنة سنة 1277 ه = 1891 م، ويذل جهدا كبيرة لانقاذ الدولة العثمانية، وحقق نجاحا كبيرة، غير أنه انتهى نهاية سيئة، حيث تم عزله - وتبع ذلك موته في ظروف غامضة تشير المؤشرات إلى أنه قد قتل بمؤامرة من الدول العظمى وأشيع أنه انتحر.