تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9 - ليبانتي والطريق للهزائم.

وصلت الدولة العثمانية إلى أوج قوتها واقتدارها، ولكن هذه القوة لم تتمكن من إخفاء بذور الضعف ونوبات المرض الدفين الكامنة في تفجر الصراعات على كافة تخوم الدولة المترامية الأطراف. وبلغت الدولة العثمانية ذروة تماسكها واتحادها، غير أن ذلك لم يتمكن من اخفاء عوامل التفتت والتمزق الكامنة وراء الصراعات الداخلية، وتعاظم دور (العسكرتاريا) إذا ما جاز التعبير، من خلال انحرافات الانكشارية، ومن خلال الحروب المذهبية. ولقد كان باستطاعة الخلفاء العثمانيين الأقوياء معالجة نقاط الضعف و عوامل التفتت بتدخلهم الشخصي، وبما لهم من السلطة المادية والمعنوية. غير أن الخلف لم يتملكوا فضائل السلف، ووجدوا في الدعة ومتاع الدنيا ما يصرفهم عن أداء واجبهم وتحمل مسؤولياتهم. فتخلوا في معظم الحالات عن قيادة الحرب وإدارة الدولة، فكان

لا بد للتصدع من الظهور، وكان لا بد للإنحراف من أن يتزايد، وكان لا بد للمرض من أن يتفاقم ويستشري. غير أن الدولة كانت قادرة على الاحتفاظ بمكانتها الرفيعة بفضل قوة الاستمرار أحيانا، وبحكم انصراف الأعداء الخارجيين والداخليين لما يشغلهم عن أمورهم في أحيان أخرى، وبحكم ظهور خلفاء أقوياء في بعض الأحيان أيضا.

وهكذا، وبعد انقضاء أجل الجيل المؤسس للدولة (العشرة الأوائل) بدأ ألق الدولة الذي بهر الأبصار في الكسوف التدريجي. وقد بدأ ذلك في أيام (السلطان سليم الثاني) (1). الذي بدأ خلافته بعقد معاهدة مع النمسا (في 17 شباط - فبراير -

أيضا.

(1) السلطان الغازي سليم خان الثاني، ابن السلطان سلمان القانوني، وهو الحادي عشر بين الخلفاء العثمانيين (930 - 982 ه = 1533 - 1574 م) أمه روسية واسمها رو کلان، كان لها تأثير كبير على السلطان سليمان، وعرفت بالتاريخ العثماني باسم (خرم أو خورم)، ومارست دورة في

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٨٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٨٧٧