لم يكن فن الحرب العثماني في حقيقته إلا استطالة لفن الحرب الإسلامي. فقد عرف الترك كما عرف سواهم من أمم الأرض وشعوبها فضل (المذهب العسكري الإسلامي) المتكامل مع (العقيدة الدينية الإسلامية والمشتق عنها. ولهذا فعندما انطلق الترك من جوف آسيا، إلى طرفها الشرتي، جاؤوا ومعهم ما تعلموه من هذا المذهب العسكري. وعملوا على تطويره باستمرار بمثل ما فعله السلف، حتى وصل إلى ما وصل إليه من الرفعة والسمو. ولقد تألق المذهب العسكري الإسلامي طوال قرون متتالية، وأصبح منهة ثرة تعلم منه كبار قادة الحرب من رفع الغرب اعلامهم على أنهم (أساتذة الحرب وكبار قادتها في العصر الحديث) فقائد روسيا بطرس الأكبر، وملك السويد (شارل) وقائد المجر (سويبسكي) ومن جاء بعدهم من أمثال سوفوروف و کوتوزوف وسواهم كثير، لم يبرزوا في عالم فن الحرب إلا من خلال ما خاضوه من حروب، وما تعلموه من الخبرات والتجارب على أيدي العثمانيين المسلمين.
ولكن، وعندما استنزفت الحروب قدرة الدولة العثمانية، بدأ التنكر للعطاء الثر الذي قدمه العثمانيون في مجال (فن الحرب) كما في بقية المجالات. وأسدل ستار کثيف على تلك العطاءات الخيرة، والانجازات الرائعة. وقد يكون من الصعب الإحاطة الشاملة بقصة. الجهاد الشاق الذي قاده العثمانيون عبر قرون متتالية، كما أنه من الصعب أيضا التعرض لكافة تفاصيل تلك القصة ودقائقها، غير أن بقية ما حفظه التاريخ منها، هو أمر كاف لتقويم ما تم انجازه.
هكذا يأتي هذا المجلد الخامس من (فن الحرب الإسلامي) ليختص بالعهد العثماني، وليصل الماضي بالحاضر، وليحفظ لهذه التجربة التاريخية بعض ما هي جديرة به من التقدير. وليست القضية. مرة أخرى - هي قضية وقوف على الأطلال، أو الصراخ والعويل على - أمة قد خلت .. بقدر ما هي إفادة من خلاصة هذه التجربة التاريخية التي ألقت بظلالها على الأمة العربية - الإسلامية خاصة، وعلى الشعوب الإسلامية عامة، في الأزمنة الحديثة، وربما في أفق المستقبل البعيد. وقد تكون الأمة العربية - الإسلامية، أشد لصوقة بهذه التجربة التاريخية، وأكثر حاجة لورود منهلها. وليس ذلك بسبب الدور الذي اضطلعت به الدولة العثمانية في رفع راية الإسلام