الله عنه قد جعل من طرطوس ثغرة بمجريا، ودارا لبناء السفن، وجلب إليها العال، فاعتزت وازدهرت، واستمرت في ممارسة دورها في رفع راية الجهاد في سبيل الله. فكان لها شأن كبير أيام حرب الثغور. وتعرضت لحقد الروم، ولكنها صمدت في مواجهة التحديات. حتى إذا ما أقبل القرن الرابع للهجرة، ومزقت الصراعات المذهبية المجتمع الإسلامي شر تمزيق، وجدت طرطوس أنه ليس باستطاعتها، هي أو سواها من مدن بلاد الشام، الساحلية منها والداخلية على السواء. عزل نفسها عن ذلك الصراع، والدامي أحيانا، بين دار الخلافة ببغداد، حيث الطاعة والجماعة والامامة لأهل السنة، وبين الفاطمية في القاهرة حيث التشيع وما تفرع عنه من المذاهب الباطنية (الاسماعيلية والدرزية).
وكان من طبيعة الأمور أن يرافق هذا الصراع ظهور حركات التمرد وأعمال الانشقاق والعصيان في إطار الولاء لهذا المعسكر أو ذاك مع وجود التحريض والتحريض المضاد، والذي يغذي النزعات الاستقلالية الأمراء المدن وجيوشها كلا حانت الفرصة المناسبة، وقد عرفت طرطوس مثل هذه الأعمال عندما فرض عليها الفاطميون حكمهم، فأعلنت ثورتها المرة بعد المرة، مما حمل حاكم مصر الفاطمي - المستعلي بأمر الله - على ارسال اسطوله وجيشه سنة 481 ه = 1093 م وسنة 490 ها = 1099 م. من أجل اخضاع طرطوس الثائرة. وقد يكون من الصعب تقدير مدى الضعف الذي نزل بجيوش المدن وأهلها نتيجة لهذا الصراع الطائفي - المذهبي - على أن الأمر الثابت هو أن الغزاة من الفرنج الصليبيين قد استثمروا هذا الواقع، وأفادوا منه حتى أبعد الحدود. مما ساعدهم على احتلال انطاكية ومعرة النعمان (سنة 491 ها = 1097 م) ثم القدس وقيسارية (سنة 494 ه = 1100 م) وأصبحت للفرنج السيطرة على فلسطين كلها - باستثناء عسقلان - مع اللاذقية. وبقيت طرطوس - مع طرابلس - صامدة في وجه غزو الفرنج. وقد تساقطت من حولها المدن الساحلية والداخلية، مع ما يتبعها من حصون وقلاع، وما يحيط بها من سهول وجبال.
كان (ريموند کونت تولوز) هو أغنى أمراء الحملة الصليبية الأولى. فلما استقر في