طرابلس - وهي بين حمص وطرابلس، (1). ولقد حملت القلعة اسم حصن الأكراد، لأن أمير حمص قد أسس بناء هذه القلعة سنة 433 ه = 1031 م، وأنزل بها حامية من الأكراد.
تلكم هي بعض ملامح البنيان القائم على صهوة جبل مرتفع، وهو بنيان يقف اليوم بجلال ووقار، ويحاول الصمت على ما عرفه في الأيام الخوالي من الأحداث المثيرة والقصص الشائقة والتي تشكل في حد ذاتها ملحمة كاملة، تعود بداياتها إلى الأيام الأولى من اجتياح جحافل الفرنج الصليبيين لبلاد الشام سنة 493 ه = 1099 م. ثم تتابعت الأحداث سراعة، حيث حاول الفرنج احتلال قلعة الحصن سنة 495 ه = 1101 م ولكنهم فشلوا في ذلك. ثم عاود أمير أنطاكية (الكونت تنکرد) المحاولة سنة 503 ه = 1109 م. ونجح في محاولته هذه المرة. وجرت العملية على النحو التالي: تقدمت قوات الفرنج في البقيعة، وأصيب السكان المسلمون بالذعر، فاقتادوا قطعان مواشيهم ولجؤوا إلى حصن الأكراد يلتمسون في منعته وفي قوة أسواره الملاذ والأمن. ولكن الفرنج صمموا على مهاجمة الحصن، والاستيلاء عليهم، يحدوهم الأمل للحصول على ما يحتويه من الأغنام والمواد التموينية
فعمل المسلمون على فتح أحد الأبواب، وأخرجوا منه بعض الأنعام، وسارع جند الفرنج لاحتواء هذه الغنيمة، وتفرقوا لجمع ما تشتت منها، فأسرع المسلمون بالانقضاض على الفرنج، وأنزلوا بهم خسائر فادحة. وفي اليوم التالي أراد الفرنج الانتقام لهزيمتهم. فقاموا بهجوم شامل على القلعة. وكم كان ذهولهم كبيرة عندما بوغتوا بعدم وجود أحد من المسلمين في القلعة التي هجرها سكانها في ظلمة الليل. وأقام الفرنج فيها لمدة ثلاثة أسابيع، كما يحكموا مخططات عملهم القادمة، ولينسقوا التعاون فيما بينهم، وليمنحوا جندهم بعض الراحة (2). ومضت ثلاث سنوات وقلعة الحصن تابعة لأمير أنطاكية. ولكن هذه التبعية انتقلت في سنة 501 ه = 1111 إلى كونت
(1) تقويم البلدان - أبو الفداء. ص: 320 والقلاع أيام الحروب الصليبية ص: 79079.
(2) تاريخ الحروب الصليبية: 379
/ 1 - 380.