يوم 20 شعبان سنة 588 ها (2 - أيلول - سبتمبر - 1992 م) وحددت مدة ثلاث سنين وثمانية أشهر. أولها يوم التوقيع على الهدنة.
وأقرت الهدنة للصليبيين احتفاظهم بالمدن الساحلية جنوبا حتى يافا. وأضحى للحجاج الحرية في زيارة الأماكن المقدسة. وللمسلمين والمسيحيين الحق في أن يجتاز كل فريق منهم بلاد الفريق الآخر. أما عسقلان فكان لا بد من تدميرها.
قال باليان إبلين لصلاح الدين عندما وقع على اتفاقية الهدنة: «ما عمل أحد في الإسلام ما عملت، ولا هلك من الفرنج مثل ما ملك منهم هذه المدة، فإننا أحصينا من خرج إلينا في البحر من المقاتلة، فكانوا ستمائة ألف رجل، ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة واحد، بعضهم قتلتهم أنت، وبعضهم مات، وبعضهم غرق،.
أذن صلاح الدين للفرنج في زيارة القدس، بعد التوقيع على الهدنة، فزاروها وتفرقوا. وعادت كل طائفة إلى بلادها. وأقام الكونت هنري ملكة على الفرنج، و كان
خير الطبع قليل الشر رفيقا بالمسلمين محبا لهم. وسار صلاح الدين إلى القدس، فأحكم أمورها، وأمر ببناء مدرسة و بيمارستان ورباط فيها. وصام رمضان بالقدس. وعاد إلى دمشق، ففرح به أهل دمشق فرحا شديدا، لطول غيبته، وذهاب العدو عن بلاد الإسلام. ولكن رحلة العمر انتهت، فانتقل صلاح الدين إلى الرفيق الأعلى (*).
بذلك بلغت الحملة الصليبية الثالثة نهايتها، فلن يتوجه ثانية إلى بلاد الشام مثل هذا الحشد الهائل من القوات، ومثل هذا اللفيف من الملوك والأمراء. ومع أن أوروبا الغربية باسرها اتحدت في ذلك الجهد الكبير، فان ما حصلت عليه
(*) صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي (532 - 589 ه = 1137 - 1193 م) توفي عن 57 عاما قضاها في الجهاد في سبيل الله، مات ولم يخلف في خزائنه غير دينار صوري، وأربعين در ما، أنفق كل ما تحصل لديه للجهاد، فأخرج في مدة مقامة على عكا قبالة الفرنج، ثمانية عشر ألف دابة من فرس وبغل سوى الجمال، وأما العين والثياب والسلاح فانه لا بدخل تحت الحصر. ولد في تكريت. وتوفي في دمشق. وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا.