الفرنج إلى يافا فنزلوها، ولم يكن بها أحد من المسلمين فملكوها. وسار صلاح الدين عنهم إلى الرملة - واجتمع بأثقاله بها، وجمع الأمراء واستشارهم فما يفعل، فأشاروا عليه بتخريب عسقلان، وقالوا له: «قد رأيت ما كان منا بالأمس - عند الهزيمة في أرسوف - وإذا جاء الفرنج إلى عسقلان ووقفنا في وجوههم نصدهم عنها، فهم لا شك يقاتلونا عنها، وينزلون عليها. فإذا كان ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه على عكا، ويعظم الأمر علينا لأن العدو قد قوي بأخذ عكا وما فيها من الأسلحة وغيرها. و نحن قد ضعفنا بما خرج عن أيدينا، ولم تطل المدة حتى نستجد غيرها. فلم تسمح نفسه بتخريبها، وندب الناس إلى دخولها والدفاع عنها، فلم يجبه أحد إلى ذلك، وقالوا:
وإن أردت حفظها فادخل أنت معنا أو بعض أولادك الكبار وإلا في يدخلها منا أحد، لئلا يصيبنا ما أصاب أهل عكا ..
لما رأى صلاح الدين ذلك، سار إلى عسقلان، وأمر بتخريبها (في 19 شعبان 587 ه) وألقيت حجارتها في البحر، وهلك فيها من الأموال والذخائر التي للسلطان والرعية مالا يمكن حصره، وعفي أثرها حتى لا يبقى للفرنج فيها مطمع. ولما علم الفرنج بتخريبها أقاموا مكانهم ولم يسيروا إليها. و كان المر کيز - کنراد مونتفيرات - لما أخذ الفرنج عكا، قد أحس من ملك انكلترا بالغدر به، فهرب من عنده ولجأ إلى مدينة صور، وهي له وبيده - وكان رجل الفرنج رأية وشجاعة وهو الذي أثار هذه الحروب كلها، فلما خربت عسقلان، أرسل إلى ملك انكلترا يقول له: «مثلك لا ينبغي أن يكون ملكا، ويتقدم على الجيوش. تسمع أن صلاح الدين قد خرب عسقلان وتقيم مكانك يا جاهل لما بلغك أنه قد شرع في تخريبها، ولو أنك سرت إليه مجدأ فأبعدته عنها الملكتها صفوة عفوا بغير قتال ولا حصار، فإنه ما خربها إلا وهو عاجز عن حمايتها وحفظها. وإني لو كنت معك، وحق المسيح، لكانت عسقلان اليوم بأيدينا، لم يخرب منها غير برج واحد.
عندما فرغ صلاح الدين من تخريب عسقلان، رحل عنها (يوم 2 رمضان 587 ه) ومضى إلى الرملة، فخرب حصنها، وخرب کنيسة لد، ثم سار إلى القدس