تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10 - نادت الشام، فوداعا يا مصر

نادت الشام نداءها، وخرج صلاح فلبى النداء، وأقام خيمته بظاهر القاهرة حتى تجتمع العساكر والناس عنده وأعبان دولته و أرباب الآداب، فمن بين مودع له، وسائر معه و كل منهم يقول شيئا في الوداع والفراق، وما هم بصدده من السفر، وكان في الحاضرين معلم لبعض أولاده، فأخرج رأسه من بين الحاضرين، وأنشد:

تمنع من شميم عرار نجد في بعد العشبة من عرار

فانقبض صلاح الدين بعد انبساطه، وتطير، وتنكد المجلس على الحاضرين. وصدقت نبوءة المعلم. فلم يعد صلاح الدين إلى مصر إلى أن مات، مع طول المدة بين خروجه من مصر وبين وفاته.

أنهى صلاح الدين استعداداته، وغادر مصر يوم 5 محرم 578 ه (11 - أيار - مايو - 1182) وتبعه من التجار وأهل البلاد، ومن كان قصد مصر من الشام بسبب الغلاء بالشام، وغيره عالم كثير. فلما سار جعل طريقه على أيلة، فسمع أن الفرنج قد

جمعوا له ليحاربوه ويصدوه عن المسير. فلما قارب بلادهم سير الضعفاء والأثقال مع أخيه تاج الملوك بوري إلى دمشق، وبقي هو في العساكر المقاتلة لا غير، فشن الغارات بأطراف بلادهم. وأكثر ذلك ببلد الكرك والشوبك. وكان حاكم دمشق - فروخشاه - قد علم بأن الفرنج قد جمعوا الفارس والراجل واجتمعوا بالكرك. بالقرب من الطريق الذي سبلکه صلاح الدين، لعلهم ينتهزون فرصة أو يظفرون بنصرة، وربما أعاقوا المسلمين عن الوصول إلى دمشق، بأن يقفوا على بعض المضايق. وبذلك خلت بلادهم من ناحية الشام. فجمع فروخشاه جيش الشام، وقصد بلاد الفرنج - في الجليل - وأغار عليها، ونهب دبورية وما يجاورها من القرى وأسر الرجال وقتل وأكثر، وسبي النساء، وغنم الأموال، وظفر بعشرين ألف رأس من

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢٠٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢٠٨٠