الدين ينهي إليه محبته وولاءه ويسأله الدخول في طاعته، وضمن على نفسه أنه يفعل هذا، وبذل ما يحمله كل سنة، فأجابه إلى ذلك، وحمل إليه ما جزيلا، واستمر على ذلك. وعلى كل حال. فلقد سارت الأمور في مصر لمصلحة نور الدين والمسلمي. فقد عمل الفرنج بعد أن تمكنوا في مصر، على حكم المسلمين حكة جائرة. وركبوهم بالأذى العظيم. ولما رأى الفرنج ذلك، وأن البلاد ليس فيها من يردهم أرسلوا إلى ملك الفرنج بالشام وهو مري - املريك - والذي لم يكن للفرنج مذ وصلوا إلى بلاد الشام مثله شجاعة ومكرة ودهاء - يستدعونه ليملك مصر، وأعلموه خلوها من الموانع، وهونوا أمرها عليه، فلم يجبهم. فاجتمع إليه فرسان الفرنج وذو الرأي منهم، وأشاروا عليه بقصدها وتملكها، فقال لهم:
و الرأي عندي أن لا نقصدها. ولا طمع لنا فيها طالما أن أموالها تساق إليه نتقوى بها على نور الدين. وإن نحن قصدناها لنملكها فإن صاحبها وعساکره وعامة بلاده وفلاحيها لا يسلمونها إلينا ويقاتلوننا دونها، ويحملهم الخوف ما على تسليمها إلى نور الدين. ولئن صار له فيها مثل أسد الدين، فهو ملاك الفرنج وإجلاؤهم من أرض الشام ..
فلم يقبلوا قوله. وقالوا له: «ليس في مصر من يحميها - وإلى أن يتجهز عسکر نور الدين ويسير إليها، نكون نحن قد ملكناها وفرغنا منها. وحينئذ يتمنى نور الدين منا السلامة .. فسار ملك القدس - املريك، أو مري - على كره منه بعد أن حشدوا قواتهم وقاموا بتظاهرة خداعية بأنهم يريدون التوجه إلى حمص، ثم ساروا بسرعة حتى وصلوا إلى مدينة - بلبيس - وحصروها وملكوها قهرا ونهبوها وقتلوا فيها وأسروا وعمل جماعة من أعيان المصريين - منهم ابن الخياط وابن فرجلة - على الكتابة إلى الفرنج، ووعدوهم النصرة، عداوة منهم لشاور. مما شجع الفرنج على المضي في تقدمها نحو القاهرة. ولكن المصريين الذين علموا بما فعله الفرنج في بلبيس من القتل والنهب والأسر، خافوا من أن يفعل بهم الفرنج بمثل ما فعلوه بأهل بلبيس، فقرروا المقاومة والامتناع عن تسليم البلد، واتفقوا على القتال والدفاع. وبذلوا جهدهم. ولما شعر الوزير شاور بشدة المقاومة أمر باحراق مدينة مصر (في التاسع من صفر سنة أربع وستين