ساله إلى مصر، ووقع اختبار نور الدين على (أسد الدين شير کوه) (*) وأمره (بان بعيد شاور إلى منصبه، وأن ينتقم له ممن نازعه). وسار أسد الدين بجيشه (سنة 559 ه = 1193 م) وقاد نور الدين محمود جيشه، إلى طرف بلاد الفرنج مما يلي دمشق حتى يمنع الفرنج من التعرض لأسد الدين وجيشه. فكان قصارى جهد الفرنج هو حفظ بلادهم من نور الدين. ووصل أسد الدين وجيشه إلى مدينة بلبيس، فخرج إليهم ناصر الدين أخو الوزير ضرغام ومعه جيش مصر، ودارت معركة انتصر فيها أسد الدين، وعاد ناصر الدين مهزومة إلى القاهرة وقتل عند مشهد السيدة نفيسة. وعاد شاور إلى الوزارة، وتمكن منها. وأقام أسد الدين وجيشه بظاهر القاهرة. فغدر به شاور، وعاد عما كان قد تعهد بتقدمه لنور الدين وجيشه. ليس ذلك فحسب، بل إنه أرسل إليه أمرة بالعودة إلى بلاد الشام. فامتنع أسد الدين عن الاجابة، وطلب منه الوفاء بما تعهد بتقديمه. ولما لم يجبه شاور، أرسل أسد الدين إلى نوابه أمرة باحتلال - بلبيس - والإقامة فيها، ونظم جهاز الحكم في البلاد الشرقية. فأرسل شاور إلى الفرنج يستمدهم ويخوفهم من نور الدين إن هو ملك مصر. و كان الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إذا ما ملك نور الدين بلاد مصر. فلما وصلتهم رسالة شاور، أسرعوا لاغتنام الفرصة، وتجهزوا وساروا، فلا علم نور الدين بتحرك الفرنج نحو مصر، سار بجيشه إلى
(*) أسد الدين شير کوه، وأخوه نجم الدين أيوب، مما ابنا شاذي من بلدوين من أذربيجان، وأصلها من الأكراد الزرادية. وهذا القبيل هم أشرف الأكراد. فقدما العراق، وخدما مجاهد الدين بهروز قائد حامية بغداد. فرأى من نجم الدين عقلا وافرة وحسن سيرة. وكان أكبر من شير کوه - فجعله قائدة الحامية قلعة تكريت، وتصادف أن مني زنكي بن آقسنقر بهزية في معركة ضد قراجا الساقي سنة 129 ه. فقام نجم الدين بإعداد السفن الزنكي حتى عبر دجلة. وحفظ لها زنكي هذا الجميل. وضمها لخدمته، فلما ملك قلعة بعلبك، جعل أيوب قائدة لحامينها، وصار من أكبر الأمراء عند نور الدين، وكذلك أخوه أسد الدين شير کوه الذي كان في خدمة عماد الدين زنكي - والد نور الدين - فقربه وقدمه ورأى منه شجاعة يعجز غيره عنها، فزاده حتى صار له حمص والرحبة - الميادين - وغيرها، وجعله مقدم جيشه. وأسهم أسد الدين وأخوه أيوب في فتح دمشق مما زاد من مكانتها عند نور الدين. فلما أراد توجيه جيش إلى مصر. اختار أسد الدين لقيادته. وتوفي أسد الدين سنة 599 ه = 1198 م (الكامل في التاريخ - أحداث سنة 014 ه).