الحرب بكفاءة عالية، وظهر من معرفته بأمور الحصار والقتال ما لم يكن متوقعا أو معروفة. ووصلت في تلك الفترة رسالة من الخليفة إلى عماد الدين تأمره بعقد صلح مع أمير دمشق، فانسحب عماد الدين زنكي ورجع إلى الموصل.
تابع عماد الدين زنكي توجيه الجهد ضد الفرنج، ففي سنة 530 ه = 1130 م اجتمعت عساكر أتابك زنکي صاحب حلب وحماة مع الأمير أسوار نائبه بحلب، و قصدوا بلاد الفرنج على حين غفلة منهم، وساروا إلى اللاذقية، ولم يتمكن أهلها من الانتقال عنها؛ والاحتراز، فنهبوا ما يزيد عن الوصف وقتلوا وأسروا وفعلوا في بلاد الفرنج ما لم يفعله بهم غيرهم. وكان الأسرى سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي، ومائة ألف رأس من الدواب ما بين فرس وبغل وحمار وبقر وغنم. وأما ما سوى ذلك من الأقمشة والحلى والأموال فيخرج عن الحد. وأخربوا بلد اللاذقية وما جاورها، ولم يسلم منها إلا القليل. وخرجوا إلى شيزر بما معهم من الغنائم سالمين، فامتلأ من الأساري والدواب، وفرح المسلمون بذلك فرحة عظيمة، ولم يقدر الفرنج على شيء يفعلونه مقابل هذه الحادثة عجزأ منهم ووهنا وضعفة.
قاد عماد الدين زنكي جيشه في السنة التالية (531 ه = 1139 م) وألقي الحصار على (قلعة بعرين) وهي تحت حكم الفرنج وتقع على مقربة من مدينة حماه، ومن أمنع الحصون وأقواها، ولما نزل عليها قاتلها وزحف إليها، فجمع الفرنج - فارسهم وراجلهم - وساروا في قضهم وقضيضهم وملوكهم وقامصتهم و کنودهم لابعاد عماد الدين زنكي عن قلعة بعرين، فلم يرحل عنها، وصبر لهم إلى أن وصلوا إليه، فلقيهم وقاتلهم أشد قتال رآه الناس، وصبر الفريقان، ثم أجلت الوقعة عن هزية الفرنج. وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب، واحتمى ملوكهم بحصن بعرين لقربه منهم، فحصرهم المسلمون، ومنع أتابك زنكي عنهم كل شيء حتى الأخبار. فكان من به منهم لا يعرف شيئا عن أخبار بلادهم، لشدة ضبط الطرق، وهيبة عماد الدين على جنوده.
في كان من رهبانهم وقسوسهم إلا أن ساروا إلى بلاد الروم وبلاد الفرنج