1108 م) حدثت هدنة أيضا بين أمير دمشق طغتكين وملك القدس بغدوين - بلدوين - بعد حرب شديدة بين جيشبها، فقد سار طغتكين إلى طبرية وقد وصل إليها ابن أخت ملك القدس، فتحاربا واقتتلا. وكان طغتكين في ألفي فارس و كثير من الرجالة - المشاة .. وكان ابن اخت ملك الفرنج في أربعمائة فارس وألفي راجل، فلما اشتد القتال انهزم المسلمون، فترجل طغتكين، ونادي بالمسلمين وشجعهم، فعاودوا الحرب، وكسروا الفرنج، وأسروا ابن أخت الملك وحمل إلى طغتكين الذي عرض عليه الإسلام، فامتنع به وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار وإطلاق خمسمائة أسير، فلم يقنع طغتكين منه بغير الإسلام، فلما لم يجب قتله بيده. وأرسل إلى الخليفة ببغداد الأسرى. ثم اصطلح طغتكين وبغدوين على وضع الحرب أربع سنين. وأراد طغتكين الإفادة من هذه الهدنة، فوجه جيشه للاستيلاء على حصن عرقه. من أعال طرابلس -. فتوجهت لمقابلته قوة من جيش الفرنج الذي كان يحاصر طرابلس. فانهزم عسكر طغتكين ونهب الفرنج ثقلهم ور حالهم ودوابهم. ووصل جيش طغتكين إلى حمص على أقبح حال من التقطع ولم يقتل منهم أحد لأنهم لم يقاتلوا. ولما وصل طغتكين إلى دمشق بعد الهزيمة أرسل إليه ملك القدس يقول له:
لا تظن أنني أنقض الهدنة للذي تم عليك من الهزيمة، فالملوك بناهم أكثر مما نالك ثم تعود أمورهم إلى الانتظام والاستقامة.
لقد استطاع الفرنج بهذه التحالفات تقييد حرية العمل العسكري لامراء المسلمين في مراكز القوى الثلاث الرئيسة - دمشق وحلب والموصل - ومنع هؤلاء الأمراء من التعاون ضد الخطر المشترك، وافادوا من ذلك لتوسيع مجال حرية عملهم العسكري، وقد حدث بعد هزيمة دمشق مباشرة أن سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر، فخرج ملك القدس بجيشه وأخذ كل من فيه ولم يسلم منهم إلا القليل. وفي السنة التالية (503 ه = 1109 م) استولى الفرنج على طرابلس بعد حصار طويل (*) كما استولوا على بيروت وجبيل وبانياس. وتشكلت بذلك إمارة صليبية جديدة في طرابلس، بقيت
(*) انظر في الفصل الثاني قصة (طرابلس) وسواها من القلاع والحصون.