المتوسط، كانت هي المهد المبكر للحروب الصليبية. وقد عملت الكنيسة - روما - باستمرار على توجيه الجهد وحشد القوى ضد المسلمين. غير أن انتصارات المسلمين على الجبهات كافة، دفعت قوى الفرنج الصليبين لمهادنة المسلمين أحيانا، أو اتخاذ سياسة دفاعية في مواجهتهم في أحيان أخرى. حتى إذا ما أحرز الفرنج انتصارهم الكبير على المسلمين فانتزعوا منهم طليطلة سنة 478 ه = 1080 م. وجدت الكنيسة أن الفرصة قد باتت مناسبة أو مؤاتية للانتقال إلى الهجوم الشامل، وضرب المسلمين في عقر دارهم بالاستيلاء على بلاد الشام. ووقف البابا ايربان الثاني في مجمع كليرمونت. بفرنسا - سنة 189 ه = 1095 م. فأعلن بندائه الشهير بداية الحروب الصليبية عندما قال:
افلينهض الغرب لنجدة إخوانه المسيحيين في الشرق،. وما هي إلا أربع سنوات حتى وصلت طلائع الفرنج الصليبيين إلى بلاد الشام.
هكذا لم يكن إعلان البابا للحرب الصليبية إلا ثمرة مخاض طويل، وإلا نتيجة جهود مستمرة عبر أزمنة متتالية، بدأت بمسرح الصراع الرئيسي على أرض أندلس المسلمين، وامتدت إلى جزائر البحر الأبيض المتوسط، وانتهت على أرض بلاد الشام، حيث القاعدة الأساسية لانطلاق جيوش الفتح العربي - الإسلامي.
اصطدمت جحافل الفرنج الصليبيين بجند المسلمين في كل مكان، وهبت جيوش المدن الإسلامية لمقاومة قوات الغزو، وظهرت منذ البداية محاولات لتنسيق التعاون بين جيوش المدن الإسلامية، واصطدمت هذه المحاولات بعقبات كثيرة حتى استطاع الزنكيون الانطلاق من الموصل إلى حلب ومنها إلى دمشق ثم مصر، فأمكن تشکيل جبهة اسلامية متماسكة أوقفت مد الفرنج، وانتزعت منهم بعض إماراتهم (الرهاء). مما دفع الفرنج لتجريد حملة صليبية ثانية، وجاء الايوبيون في أعقاب الزنكيين الذين مهدوا لهم سبيل الحكم. فتابعوا حمل راية الجهاد في سبيل الله، ووصلوا أوج قوتهم في معركة حطين و إعادة فتح القدس. وتبع ذلك تحول حاسم، حيث ظهر وجود الفرنج في بلاد الشام بأنه وجود ضعيف، مما دفع الفرنج لتجريد حملة صليبية ثالثة، وجاء بعد