الناس على العفو أقدرهم على العقوبة؛ وأعجز الناس من ظلم من هو دونه. واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختباره. يا أبا عبد الله! لا تجلس مجلسا إلا ومعك من أهل العلم من يحدثك. ومن أحب أن يحمد أحسن السيرة؛ ومن أبغض الحمد أساءها؛ وما أبغض الحمد أحد إلا استذم؛ وما استذم إلا كره. يا أبا عبدالله! ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي غشيه، بل العاقل الذي يحتال للأمر حتى لا يقع فيه.
وخطب المنصور يوما، فقال: الحمد لله، أحمده ونستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاعترضه إنسان فقال: «أيها الإنسان أذكرك من ذكرت به .. فقطع الخطبة ثم قال: (سمعة، سمعة؛ لمن حفظ عن الله، وأعوذ بالله أن أكون جبارة عنيدة، أو تأخذني العزة بالاثم، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. وأنت أيها القائل: فوالله ما أردت بهذا القول الله، ولكنك أردت ان يقال: قام فقال فعوقب فصبر. وأهون بها ويلك؛ لقد هممت؛ واغتنمها إذ عفوت؛ وإياك وإياكم معاشر المسلمين أختها، فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت؛ فردوا الأمر إلى أهله توردوه موارده وتصدروه مصادره، ثم عاد إلى خطبته كأنما يقرؤها.
وكنب رجل إلى المنصور يشكو بعض عماله؛ فوقع إلى العامل في الرقعة:،إن آثرت العدل صحبتك السلامة؛ وإن آثرت الجور في أقربك من الندامة؛ فانصف هذا المتظلم من الظلامة. وكتب صاحب أرمينية إلى المنصور يخبره أن الجند قد شغبوا عليه ونهبوا ما في بيت المال، فوقع المنصور في كتابه: «اعتزل عملنا مذمومة مدحورة. فلو عقلت لم يشغبوا؛ ولو قويت لم ينهبوا.
قال يزيد بن عمر بن هبيرة: «ما رأيت رجلا قط في حرب ولا سمعت به في سلم أنكر ولا أمكر ولا أشد تبقظة من المنصور؛ لقد حصرني تسعة أشهر ومعي فرسان العرب، فجهدنا بكل الجهد أن ننال من عسكره شيئا فا تمهيأ، ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء؛ فخرجت إليه وما في رأسي شعرة سوداء، قيل: وأرسل ابن هبيرة