إن هي أهملت، إذ تبقى تجربة إنسانية وواقعية رغم كل جحود لها. وإنما تضر الأجيال ذاتها عندما تنفصل عن جذورها، فتجف منها الأوراق، وتنقطع عنها الشهار، وتسير بالتالي إلى الفناء.
وتبقى التجربة التاريخية ليست خيرا كلها، وليست شر كلها، فيها ما هو جدير بالتعلم، وفيها ما هو جدير بالتأمل، وفيها ما قد تجاوزه الزمن. ولكن ليس من واجب الباحث الإعراض حتى على ما تجاوزه الزمن، إن كان فيه دروس تحتفظ بقيمتها وأهميتها. فليس هدف البحث التاريخي هو المتعة، وإنما الفائدة المقترنة بالمتعة.
لقد انهم التاريخ الإسلامي - ظلم - بأنه تاريخ الخاصة، واتهم التاريخ في العصر العباسي - بخاصة - بأنه تاريخ الانتصارات فقط. وأن المسلمين في تاريخهم لا يعترفون بالهزيمة. وفي الواقع فإن في مثل هذه الأقوال كثير من الظلم للتاريخ الإسلامي عامة وتاريخ العصر العباسي بخاصة، فقد حرص مؤرخو المسلمين على ذكر الانتصارات والهزائم على حد سواء. بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما عالجوا أسباب الإنتصارات والهزائم، في إطار من المفاهيم الثابتة التي تنطلق - أو تلتزم - بحرية الفكر، مما أتاح لهم الإفادة من تجاربهم الذاتية. وقد ظهر ذلك في مرات كثيرة عند عرض الأحداث - في الفصلين الأول والثاني .. وهذه التجارب الذاتية هي الأشد لصوقة والأوثق إحكامة بواقع الأمة العربية - الإسلامية. وقد يكون من غير الطبيعي استلهام الدروس والعبر من تجارب بقية الأمم، وخاصة في مجال فن الحرب - وإهمال التجربة الذاتية التي توافرت لها من الدقة ومن الأمانة ومن الشمول، ما تفتقر إليه بقية التجارب، سواء منها القديمة أو الحديثة. وقد يكون باستطاعة القاريء أو الباحث التأكد من هذه الحقيقة عند التعرف على تجربته الذاتية. والإنسان عدر ما يجهل.