10 - الحرية الفكرية والبحث التاريخي
ما كان للتجربة العباسية أن تصل بكل دفئها وبكل تفاصيلها المثيرة لولا تلك الأمانة التي اشتهر بها المؤرخون من العرب المسلمين، ولولا ما توافر لهم من مناخ الحرية الفكرية التي سمحت بتسمية الأشياء والأحداث بأسمائها وبصفاتها وبوقائعها. ولقد كانت تلك الحرية الفكرية هي المناخ الذي ترعرعت فيه وازدهرت كافة العلوم النظرية والعملية، ومن بينها التاريخ، حيث كان المؤرخون يتعرضون لأحداث عصر هم دو نما خوف أو تردد، وهم يذكرون للزنج أعمالهم وللقرامطة دورهم وللشيعة اعتقادهم وممارساتهم، وللدولة إنجازاتها وأخطاءها، وللخليفة أمير المؤمنين فضائله و نقاط ضعفه وحتى انحرافه أو تقصيره. وكل ذلك بدقة مثيرة، حتى لكأن الباحث يعيش تلك الأحداث، ويخالط أصحابها وصانعيها، فهل من غرابة أن استطاع الفكر العربي - الإسلامي أن يتطور وقد اتيحت له الفرصة للتطور في كل مجال من مجالات العلوم والآداب والفنون؟. لقد بات معروفة في عالمنا المعاصر أنه من المحال تحقيق أي تطور أو إحراز أي تقدم في أي مجال من المجالات إن لم تتوافر مجموعة من العوامل تحتل الحرية الفكرية المرتبة الأولى منها. وإذن فليس باستطاعة الباحث في الأزمنة الحديثة، وبعد انقضاء زهاء عشرة قرون من عمر الزمن على تلك الأحداث التاريخية، أن يحاول الالتفاف من حول الأحداث أو اعطائها أسماء غير اسمائها تحت أية حجة ولأي سبب، أو الإشارة إلى التسميات بجذر كبير، وعلى سبيل المثال: فإن ذكر الشيعة أو القرامطة أو العلويين لا يعني بالضرورة ارتباط التسميات الحديثة بما كان سائدا في ذلك العصر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن استعراض أعمال المذاهب المختلفة يظهر أنها بدأت تحت ستار ديني ثم لم تلبث أن تحولت إلى مذاهب فكرية سياسية، وذلك بدلالة اعتماد الخليفة أمير المؤمنين على نقبين: نقيب للشيعة ونقيب للسنة، وكذلك الأمر بالنسبة للوزارة، حيث كان للخليفة العباسي وزير شبعي ووزير سني. وقد ظهر أن ما كان يحدث من انحراف وصراعات، إنما كان يعود للمرحلة